عرض كتاب "نقد الليبرالية".. للكاتب المغربي الطيب بوعزة لها أون لاين - موقع المرأة العربية

عرض كتاب "نقد الليبرالية".. للكاتب المغربي الطيب بوعزة

دراسات وتقارير » بحوث ودراسات
01 - جمادى الآخرة - 1435 هـ| 02 - ابريل - 2014


1

"لم تعد الليبرالية اليوم تقدم بوصفها أنموذجا أو نظاما سياسيا واقتصاديا من بين أنظمة وأخرى، بل يصح القول: إنها تكاد تقدم بوصفها الأنموذج الوحيد لتسيير الشأن السياسي والمجتمعي، دونما منافس لها أو بديل! ولذا يغدو السؤال عن دلالتها وتشغيل الوعي النقدي لبحث قيمها ومبادئها وتطبيقاتها المجتمعية، ضرورة ماسة نابعة من طبيعة لحظتنا التاريخية الآخذة في تشميل هذا النموذج على مختلف أقطار العالم". بهذه الكلمات عبر الكاتب المغربي د. الطيب بوعزة عن الفكرة الجوهرية التي يدور حولها كتابه "نقد الليبرالية" الصادر ضمن سلسلة كتاب البيان.

والكتاب هام جدا في مجاله، وقد اعتمد المؤلف في نقده لليبرالية إلى رؤية منهجية تعتمد على منظورين اثنين: "الأول: وهو الناظم لرؤيتنا النقدية في جميع مستوياتها، نسميه بـ (النقد المثالي)، ويقوم على مقاربة فلسفية تتناول الأسس المفاهيمية والمعرفية الليبرالية؛ بقصد الكشف عن زيف المزاعم الإطلاقية لليبرالية.

   أما الثاني: فهو نقد يرتكز على المقاربة التاريخية والسوسيولوجية للنسق الليبرالي من حيث هو نظام مجتمعي".

وحتى لا يلتبس الأمر على البعض فيعتقد أنه بنقده لليبرالية ينتقد مفهوم الحرية، يؤكد المؤلف أنه ليس معنى "نقدنا لليبرالية نقدًا للحرية، ولا دعوة إلى الدكتاتورية أو الاستبداد وترجيحه على التحرر، بل إن موقفنا المبدئي هو مع كل دعوة إلى التحرّر المسؤول؛ فحرية الكائن الإنساني هي خصيصة ميّزه بها الله عز وجل، وجعله بها حقيقًا بمهمة الاستخلاف في الأرض، تلك المهمة/الأمانة التي تستلزم الحرية وتستوجب المسؤولية الأخلاقية.  

ولقد انتهى التأمّل الفلسفي إلى أن الإنسان كائن يمتاز بالخروج من مجال الضرورة الطبيعية إلى مجال الحرية، بكل ما تعنيه من اقتدار على الاختيار. وبانتقال هذا الاقتدار من مستوى القوة والإمكان إلى مستوى الفعل والإنجاز؛ يصبح الكائن الإنساني موضوعًا للمعايرة والحكم الأخلاقيين". مشيرا أنه لا ترادف بينهما كما يحاول أن يروج البعض "بل من ناحية الاصطلاح المنطقي لا نجد بينهما علاقة شمول ولا تضمن ولا تطابق".

ويضيف الكاتب أن "الخطاب الدعائي المصاحب لليبرالية، الذي يكاد يرادف بينها وبين معنى الحرية والعدل والمساواة والسعادة، فيجعل من ثم ناقدها عدوا للتحرر، وداعيا إلى الاستبداد! ومناهضا للعدل وداعيا إلى الظلم..؛ خطاب يذهل عن إدراك المعنى الفلسفي و الديني للحرية، والعدالة، والحقيقة والجمال، والسعادة".

 

دلالة مفهوم الليبرالية:

لذلك كان من الضروري أن يبدأ الكاتب الفصل الأول من الكتاب بتوضيح دلالة مفهوم الليبرالية، وفي هذا الإطار يقول المؤلف: يجب ملاحظة أن "رسم أي دلالة كلية لليبرالية يجب أن يضع في الحسبان وجود اختلافات معرفية، تصل أحيانا إلى درجة التناقض بين منظريها، ومن ثم فإن أي تسطير لدلالة كلية جامعة هو مجرد اختزال ينبغي أن يحترس من أن يصبح الشجرة التي تخفي الغاية، فنسقط في مأزق الأحادية، ونغفل عن تعددية الرؤى واختلافها حتى تجاه المفاهيم المشتركة التي تشكل أساس المذهب.

 وبعد تسجيلنا لهذا الاحتراس يمكن أن نقول: إن الليبرالية تعني في سياق التعريف الأولي: الليبرالية هي فلسفة / فلسفات اقتصادية وسياسية ترتكز على أولوية الفرد بوصفه كائناً حراً, فمقولة الحرية هي المقولة المركزية التي يحرص المذهب الليبرالي على إبرازها في تحديد ذاته ونقد مخالفه, وكأنه هو وحده الذي ينزع نحو الحرية ويحلم بتجسيدها!

وانطلاقاً من هذه المقولة النظرية يجري تحديد طبيعة المنظور الليبرالي لمختلف مجالات الكينونة الإنسانية:

فالليبرالية من الناحية الفكرية تعني "حرية" الاعتقاد والتفكير والتعبير. ومن الناحية الاقتصادية تعني "حرية" الملكية الشخصية، و "حرية" الفعل الاقتصادي المنتظم وفق قانون السوق. وعلى المستوى السياسي تعني "حرية" التجمع وتأسيس الاحزاب واختيار السلطة . . . وهكذا نلاحظ أن مقولة الحرية لا تشكل فقط مبدأ من جملة مبادئ، بل هي مرتكز لتأسيس غيرها من المبادئ، مع ضرورة الوعي بأن لفظ الحرية ذاته ليس لفظاً محدد الدلالة ولا محدود الأبعاد".

ويستدرك المؤلف قائلا: "لكن على الرغم من ذلك، وحتى في حالة اعتمادنا على التحديدات السابقة، فإنها رغم صوابها معجميا تبقى مجرد دلالة نظرية للمفهوم، في حين أن الليبرالية ليست مجرد لفظ نظري يعيش بين دفتي القاموس، بل هي لفظ يدل على أنظمة مجتمعية متعددة، ويحيل إلى سياقات تاريخية لابد من استحضارها لفهم المشروع الليبرالي".

"وما يؤكد في تقديري صواب هذا المسلك التاريخي في المقاربة وأولويته على المقاربة المعجمية، هو أن الليبرالية ظهرت أولا بوصفها معطى تاريخيا قبل أن تتشكل بوصفها لفظا اصطلاحيا؛ بمعنى: أنها من حيث وجودها بوصفها لفظا لم تظهر إلا لاحقا لوجودها بوصفها واقعا، إذ إنها بوصفها وجود معرفي ومجتمعي أخذت في التبلور داخل سياق التاريخ الأوروبي على الأقل قبل ثلاثة قرون من ظهورها بوصفها لفظا اصطلاحيا"، لذلك فإن "الانحصار في بحث الدلالة المعجمية للفظ لن يفيد في فهم المشروع الليبرالي في تجسيده التاريخي".

 

السياق التاريخي والثقافي لنشأة الليبرالية:

و من ثم فقد أخذ المؤلف في الحديث عن نشأة الليبرالية، والسياق التاريخي التي ظهرت فيها، وكيف تبلورت عبر الأحداث التاريخية حتى برزت.

في عصر النهضة الأوروبية، وداخل المجال الجغرافي الإيطالي، أخذ الوعي الأوروبي يشهد حراكاً ثقافياً مزامناً لحراك واقعي كان يؤسس لمدن تجاريه مفتوحة على العالم ومكثفة لعلاقات التواصل معه. أما من حيث حراك الوعي فقد حدث انفتاح على عوالم ثقافية جديدة: عربية وإغريقية و رومانية، وهي عوالم بفعل كونها تقع خارج مدار النص الكنسي، فقد أدهشت العقل الأوروبي، وأثبتت له أن ثمة إمكانات معرفية أرقى من تلك التي خلفتها له قرونه الوسطى المشدودة إلى النص الإنجيلي والمتمحورة حوله، ومن ثم كانت أول نزعة تهيمن على هذا الوعي المتحرك المنفتح هي النزعة الإنسية.

هذا الانفتاح الثقافي على الحضارة الإسلامية والموروث الهليني (الثقافي القديم) كان لابد أن تعارضه الكنيسة، ومن ثم كان لابد أن يستشعر مفكرو النزعة الإنسية الحاجة إلى الحرية والتوق إلى مثلها، فكان هذا هو الشرط التاريخي الذي مهد لميلاد الشعور بالحاجة إلى مثال الحرية، وهو الشعور الذي كان قابلاً للاستواء في أي شكل مذهبي يحلم بتجسيده.

أما من حيث حراك الواقع، ففي هذه اللحظة التاريخية كانت إيطاليا بحكم موقعها الجغرافي المشرف على البحر الأبيض مكانا مناسبا لنمو المدن التجارية، وهو النمو الذي سيؤدي إلى بروز فئة اجتماعية جديدة هي فئة التجار، لكن بفعل الكشوف الجغرافية سيجري تحويل طريق التجارة  الدولي من حوض البحر الأبيض المتوسط  إلى المحيط الأطلسي – مرورا برأس الرجاء الصالح ، ثم إيغالا في عباب المحيط بعد اكتشاف أمريكا – الأمر الذي نتج عنه انخفاض القوة الاقتصادية الإيطالية، وانتقال مركز الثقل الاقتصادي إلى باقي أقطار أوروبا كإسبانيا والبرتغال وهولندا وإنجلترا.

ومع تطور المعرفة العلمية ستحدث نقلة نوعية في كيفية التعامل مع الطبيعة، أسست للثورة الصناعية وهكذا ستتحول القوة التجارية المتمركزة في المدن إلى قوة صناعية.

لكن التصنيع محتاج إلى أمرين أساسيين، فضلاً عن الرأسمال الذي كان متوفراً بفعل الحركة التجارية هما: المعادن, و القوة البشرية.

أما من حيث المعادن فقد تكفلت الكشوفات الجغرافية بفتح الطريق أمام أكبر حركة نهب شهدتها الإنسانية! لكن من حيث القوة البشرية العاملة، فقد كان ثمة مانع ثقافي ومجتمعي يعوق توفرها، وهو النظام الإقطاعي الذي كانت فيه القوة البشرية العاملة  في الحقل، قوة أقنان مشدودة إلى الأرض تعيش بين سياجاتها، تعمل فيها وتدفن في داخلها، بمعنى أن النظام الإقطاعي الأوروبي كان عائقاً يعترض حراك القوة البشرية وانتقالها من (الحقل / القرية) إلى (المصنع / المدينة) فكان لا بد من تفكيكه بنقض نظام القنانة/ العبودية وتحرير العبد ليتمكن من الانتقال إلى المدينة.

وهنا كان لابد للفكر من توظيف "المثال" ليجري اجتذاب الوعي والفعل ليكسر نظام لحظته فينتقل إلى نظام بديل. وكان المثال هو الحرية التي سيجري تقديمها بمدلول خاص، يتناسب مع الظرف التاريخي والحاجة المجتمعية الوليدة. فولدت مقولة الحرية بمدلولها الليبرالي بوصفها تحريرا للقن (العبد)، ليتحول إلى عامل. وبذلك فالليبرالية لم تنشأ بوصفها توكيداً لحرية الإنسان بل بوصفها توكيداً للحاجة إلى استغلاله بطرائق مغايرة للاستغلال القناني, أي: طرائق جديدة تناسب الثورة الصناعية. ودليل ذلك أن إبادة الهنود الحمر التي جاءت مقترنة مع بداية انهيار النظام الإقطاعي, واستعباد شعوب إفريقيا واستعمارها ونهب مقدراتها لم تكن صنعة الإقطاع، بل صدرت عن النظام الليبرالي الرأسمالي, وكان التسويغ التشريعي لهذا الاستعباد صادراً من داخل البرلمانات الليبرالية الرافعة لشعار الإخاء والحرية والمساواة!.

لذا نقول: إن القراءة السوسيولوجية لنشأة الليبرالية تمكننا ليس فقط من فهم شرط النشأة، بل أيضا من انتزاع وهم التقريظ الذي يخلع عليها بوصفها حركة تحرير مطلقة، باعثها هو تقدير حرية الشخص ذاته، بينما هي في الأصل حركة قامت بتوظيف المثال واستغلاله على نحو يناسب شرطها التاريخي".

 

النظرية السياسية:

وفي الفصل الثاني من الكتاب تناول المؤلف الليبرالية من حيث هي نظرية سياسية، تقضي على كثير من الرؤى السائدة، هي أننا نعد ميكيافلي مؤسسا للنزعة السياسية الليبرالية، بفصله بين السياسي والأخلاقي. ولابد أن تعترضنا خلال هذا التحليل تلك الفكرة الشائعة عن ميكيافليي بوصفه داعية استبداد الأمير، ومن ثم سيقول قائل: لا يجوز جعله منظرا ليبراليا، وقد عالج المؤلف هذا الاعتراض وأجاب عليه.

ثم انتقل المؤلف إلى بحث الإسهام الفلسفي/ السياسي لجون لوك، حيث قام بتحليل بنائه المفاهيمي. مشيرا إلى المفارقة بين لوك المنظر القائل بحرية الفرد الإنساني، وبين لوك تاجر الرقيق الذي يمارس الاستعباد ويبرره. كما تناول المؤلف إسهامات مونتيسكو ودوره في بناء المنظور السياسي الليبرالي.

 

الليبرالية الاقتصادية:

انتقل المؤلف في الفصل الثالث إلى بحث الليبرالية الاقتصادية؛ حيث فكك مرجعيتها الفكرية، لكن دون أن يتم اختزالها في الاقتصاد السياسي الإنجليزي (عند سميث وريكاردو ومالتوس)، كما هو مسلك غالبية الدراسات، بل استحضر أيضًا مرجعيتها الفيزيوقراطية، وجدلها مع الميركانتيلية.

 

نيوليبرالية

 وفي الفصل الرابع قدم تحليلاً مفصلاً للنيوليبرالية، بدءًا من بحث سياق نشأتها، إلى بحث اتجاهاتها النظرية التي تبلورت مع المدارس الثلاث، أي: المدرسة النمساوية مع كارل منجر و بون بافريك، ومدرسة لوزان مع فالراس و باريتو، ومدرسة كمبريدج مع ستانلي جيفنس و ألفريد مارشال.   ونظرًا لمحورية مفهوم السوق داخل النسق النيوليبرالي، فكان لا بدّ من أن يعطيه اعتبارًا استثنائيًا، فخصّص له ما يكفي لبيان وضعه في الرؤية النيوليبرالية.   ثم إن الليبرالية ليست مجرّد نظرية، بل هي منظومة مجتمعية تتجاوز الحقلين الاقتصادي والسياسي إلى حقل الإنسان ببعده الأخلاقي، ولذا نجده يتوقف في الفصل الخامس لمساءلة الليبرالية من حيث علاقتها بالحرية والأخلاق.

 

الليبرالية العربية:

أما في الفصل السادس فقد ألقى المؤلف نظرة على الخطاب الليبرالي العربي بدءًا من لحظة دخول المفاهيم الليبرالية في بداية عصر النهضة العربية، ثم انتقالها إلى الاستواء في شكل نسق مع لطفي السيد، وانتهاءً بتحليل مفاهيم الخطاب النيوليبرالي العربي المعاصر ونقائضه.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...