عروة بن الزبير: كرمه وصبره ومصاحبته للقرآن

وجوه وأعلام
12 - ربيع أول - 1440 هـ| 21 - نوفمبر - 2018


1

اجتمعت في عروة بن الزبير ـ رحمه الله تعالى ـ جملة من الخصال والفضائل التي تسمو بصاحبها وترتقى به، فهو جواد كريم، متواضع، وصابر على البلاء، حريص على عباداته، مصاحب للقرآن الكريم، طوال يومه، فقد عرف عنه الإكثار من قراءة القرآن؛ حتى أنه كان يقرأ كل يوم ربع القرآن، ويقوم به الليل.

 

وقد أفاضت كتب السير في وصف تواضعه وكرمه وصبره، فيروى أنه إذا كان أيام الرطب: فتح أبواب بستانه للناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخله ردّدّ هذه الآية فيه حتى يخرج منه "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"الكهف 39، وقيل: كان ينزل حوله ناس من البدو فيدخلون ويأكلون ويحملون.

 

وما ذلك إلا لكرمه وإحسانه إلى الناس؛ مما جعل الناس يذكرونه بخير. حتى قال ابنه هشام: ماسمعت أحداً من أهل الأهواء يذكر أبي بسوء.

 

وعروة بن الزبير بن العوام: أحد الفقهاء السبعة في المدينة، أبوه الزبير بن العوام ـ رضي الله عنه ـ أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنها ـ ، وخالته عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ ، وجده لأمه أبو بكر الصديق صاحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخليفته، وأخوه عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنه ـ.

 

ولد رضي الله عنه في آخر خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وقيل: في بداية خلافة عثمان ـ رضي الله عنه ـ ، ويُعد من الطبقة الثانية من أهل المدينة من التابعين، وعاش بالمدينة وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مصر وعاد إلى المدينة فتوفي فيها.

 

كان عروة بن الزبير عالما فقيها، وكان مما تميز به خلال مسيرته العلمية: الحديث والفقه، كما قال ابن سعد عنه في طبقاته: "وكان ثقة كثير الحديث، فقيهاً عالماً مأموناً ثبتاً".

 

وقد روى الحديث عن كثير من الصحابة، وتفقه على يد السيدة عائشة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ ، وحدث عنه ابنه هشام، وروى عنه محمد بن مسلم الزهري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي، وغيرهما من علماء المدينة.

 

بالإضافة إلى علمه، كان عروة ـ رحمه الله ـ ممن عرف بالعبادة، والإكثار منها، وعرف عنه الإكثار من قراءة القرآن، كما كان كثير الصيام، فقد أورد كثير ممن ترجم لعروة حاله مع الصيام، فقد روي أنه كان يصوم الدهر ويسرده إلا يوم الفطر ويوم النحر، حتى أنه رحمه الله صام يوم قطع رجله من المفصل، فما تضور وجهه، ومات رحمه الله تعالى وهو صائم.

 

وإذا ذكر اسم عروة بن الزبير ـ رحمه الله تعالى ـ فإنه غالباً ما يذكر قصة بلائه ومحنته وصبره بعد ذلك، وهي قصة قطع رجله لما وقعت فيها الآكلة فنشرها فما زاد على أن قال: الحمدلله.

 

ويروى أن عروة خرج إلى الوليد بن عبدالملك، حتى إذا كان بوادي القرى، فوجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة الآكلة، ثم ترقى به الوجع، وقدم على الوليد وهو في محْمل، فقيل: ألا ندعوا لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، فبعث إليه الوليد بالأطباء فأجمع رأيهم على أن لم ينشروها: قتلته، فقال شأنكم فقالوا: اشرب المُرقد (مخدر)، فقال: امضوا لشأنكم، ماكنت أظن أن خلقاً يشرب مايزيل عقله حتى لا يعرف ربه عز وجل، ولكن هلموا  فاقطعوها.

 

وكان معه في سفره ذلك ابنه محمد، ودخل محمد اصطبل دواب الوليد، فرفسته دابة فخر ميتاً. فأتى عروة رجل يعزيه، فقال: إن كنت تعزيني برجلي فقد احتسبتها. قال: بل أعزيك بمحمد ابنك، قال: وماله؟ فأخبره، فقال: اللهم أخذت عضواً وتركت أعضاء، وأخذت ابناً وتركت أبناءً. فما سمع منه شيء في ذلك حتى قدم المدينة فلما قدم المدينة، وأتاه ابن المنكدر، فقال: كيف كنت؟ قال: "لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا"الكهف 62، وقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة، فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد. وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت.

 

ولما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في ابنه ورجله، فبلغه أن بعض الناس، قال: إنما اصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك متمثلاً أبياتاً لمعن بن أوس:

لعمرك ما أهويت كفي لريبة

ولا حملتني نحو فاحشة رجلي.

ولا قادني سمعي ولا بصري لها

ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي .

ولست بماشٍ ماحييت لمنكر

من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي.

ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة

وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي.

وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الدهر

إلا قد أصابت فتى قبلي.

 

وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال له: والله مابك حاجة إلى المشي، ولا أربُ في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع لبعض ـ إن شاء الله تعالى - وقد أبقى الله لنا منك ماكنا إليه فقراء من علمك ورأيك،  نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك.

 

 وقد عاش عروة بعد قطع رجله ثماني سنوات، صابرا محتسبا راضيا وشاكرا، ولم يدع ورده من القرآن والقيام حتى ليلة وفاته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ سير أعلام النبلاء.

ـ صيد الفوائد.

ـ المكتبة الإسلامية.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...