عكرمة ابن أبي جهل الراكب المهاجر

وجوه وأعلام
30 - ذو القعدة - 1439 هـ| 12 - أغسطس - 2018


1

الصحابي الجليل عكرمة ابن أبي جهل، هو ابن أشد أعداء الإسلام ضراوة في جحود الحق وإنكاره، رغم علمه بصدقية نبوءة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكنه الكبر والتمرد على قبول الحق والاعتراف به.

 

ورغم أن عكرمة نهج طريق أبية بداية الأمر، من شدة معادة للإسلام، إلا أن الله تعالى شرح صدره للإسلام، وأصبح من دعاته، وصار غازيا ومجاهدا في سبيل الله، ينشر دينه ودعوته في ربوع الدنيا.

 

إنه عكرمه بن عمرو بن هشام بن المغيره المخزومي المعروف بأبي جهل، وزوجة عكرمة هي: أم حكيم بنت عمه الحارث ابن هشام - وخال زوجته أم حكيم هو خالد بن الوليد رضي الله عنه.

 

كان عكرمه ـ كما تصفه المصادر ـ طويل القامة، مفتول العضلات، عريض المنكبين، حاد الملامح، حنطي البشره، غزير الشعر، جهوري الصوت، حليما حكيما، شديد الشبه بأبيه عمرو بن هشام.

 

نشأ فى بيت سيادة، فأبوه كان من أسياد قريش، وكان بارزا منذ الصغر من بين أقرانه، بجسمه القوى وسرعة حركته، وتعلم على فنون الحرب والقتال.

 

وعندما جاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعوة إلى الله وتوحيده: تصدى له أبوجهل، وكان عدوا لهذا الدين ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنعه الكبر والغرور والغيرة، فأخذ عكرمة طريق أبيه فرفض الإسلام ودعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بادئ الأمر.

 

ومرت الأيام وهاجر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدنية، وفى غزوة بدر تجمع المشركون تحت قيادة أبي جهل فرعون هذه الأمة، ومعه ابنه عكرمة وبدأت المعركه، وكان أبوجهل يجول فى الناس، فهجم عليه الفتيان معاذ ومعوذ رضي الله عنهما كالبرق، وضربوا أبا جهل؛ حتى وقع قتيلا، فتحرك عكرمة سريعا فضرب معاذ رضي الله عنه ضربة عظيمة على عاتقه، فطرحت يده، فتعلقت بجلدة من جنبه، ورأي عكرمه أباه صريعا أمام عينه، وانتهت غزوة بدر بانتصار المسلمين، وفر عكرمة ومن معه من المشركين، وخلفت هذه الغزوة قتل القادة وسادة قريش، وزادت عدواة عكرمة للإسلام والمسلمين.

 

في هذه الأثناء تحولت رئاسة بني مخزوم إلى عكرمة بعد أبيه أبي جهل، ومرت الأيام على عكرمة، وهو يريد الإنتقام حتى جاءت غزوة أحد، وتجمع المشركون وخرج بجيش على رأسه عكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، ومن خلفهم زوجة عكرمة أم حكيم، ومعها النساء تحفزهم على القتال؛ كي ينتقموا من المسلمين.

 

وبدأ القتال وكان شديدا، وظهرت بطولات المسلمين، وبدأ المشركون يفرون؛ ولكن تحولت المعركة بعد مخالفة الرماة ونزولهم من على الجبل، فهجم خالد بن الوليد بجيشه على المسلمين من تلك الثغرة، وانتصر المشركون.

 

رجع عكرمة ولا زالت العدواة والبغضاء على الإسلام، وفي غزوة الأحزاب أو الخندق: تجمع المشركون وخرج أبوسفيان وعكرمة بجيش من مكة، واتفق مع القبائل واليهود على قتال المسلمين، وكان العدد يفوق عدد المسلمين.

 

 وحفر المسلمون الخندق، ولم يتمكن المشركون من اقتحام المدنية، وحاصرها المشركون أياما طوالا، فنفذ صبر عكرمة ابن أبي جهل، فذهب ومعه عمرو بن ود، فنظروا إلي مكان ضيق من الخندق، فدخل منه واجتازوا ونادى عمرو بن ود على المسلمين بصوت عالٍ من يبارز؟ وكان عمرو معروفاً لدى المسلمين والمشركين بقوته وشجاعته، فخرج له البطل الشجاع على بن أبي طالب ودار بينهما قتالا شديدا، فقتله علي رضى الله عنه وكبر، وكبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكبر المسلمون وفر عكرمة هاربا، وانسحب المشركون دون أن يفعلوا شيئا!

 

انتشر الإسلام، وأخذت كثير من القبائل تبايع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم وجاء الدور على مكة وجهز المسلمون جيشا لفتحها في السنة الثامنة من الهجرة؛ كي يخرجونهم من الظلمات إلى النور، وإلي جنة عرضها السموات والأرض، وأصر عكرمة ومن معه على مواجهة المسلمين وكان عدد المسلمين كثيرا فلم يفعل شيئا وفر هاربا.

 

وكانت هذه العدواه من عكرمة للإسلام هي التى جعلت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهدر دمه، فقد أهدر الرسول صلى الله عليه وسلم دم مجموعة من المشركين وقال: "اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة"رواه النسائي، وحسنه الألباني.

 

ويُقرِّر الرسول الرحيم: العفو عن جميع أهل مكة من المشركين، إلا أربعة أنفس منهم: عكرمة بن أبي جهل، ويأمر بقتلهم وإنْ وجدوا متعلقين بأستار الكعبة, فهرب عكرمة ولحق باليمن، فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا.

 

 فقال عكرمة: "لئن أنجاني الله من هذا لأرجعَنَّ إلى محمد ولأضعنَّ يدي في يده". فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه.

 

وتُسلِم زوجته أم حكيم، وهي بنت عمِّه الحارث بن هشام، وتستأمن له من رسول الله فيؤمِّنه، وتسير إليه الزوجة الحريصة على نجاته من النار وهو باليمن بأمان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فيقدم معها، ويُعلِن أمام رسول الله: شهادة الإسلام، فسُرَّ بذلك.

 

ومنذ إسلامه ـ رضي الله عنه ـ حاول أن يعوض ما فاته من الخير، فقد أتى النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال: "يا رسول الله، والله لا أترك مقامًا قمتُهُ لأصدَّ به عن سبيل الله إلا قمتُ مثله في سبيله، ولا أترك نفقةً أنفقتها لأصد بها عن سبيل الله إلا أنفقت مثلها في سبيل الله"رواه ابن أبي شيبة.

 

ومن أحاديث عكرمة بن أبي جهل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما رواه الإمام أحمد بسنده قال: حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن قتادة، عن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: "لما نزلت هذه الآية: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ"(الفتح: 1، 2). قال أصحاب رسول الله: هنيئًا مريئًا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزلت هذه الآية: "لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ"(الفتح: 5).

 

تعلق عكرمة بالقرآن الكريم تعلقا عميقا، فكان يأخذ المصحف، فيضعه على وجهه ويقول: "كلام ربي، كلام ربي"، وكان رضي الله عنه شديد الإيثار، روى حبيب بن أبي ثابت: أن الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة جرحوا يوم اليرموك، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر إليه عكرمة، فقال الحارث: ادفعوه إلى عكرمة. فلما أخذه عكرمة نظر إليه عياش، فقال عكرمة: ادفعوه إلى عياش. فما وصل إلى عياش ولا إلى أحد منهم حتى ماتوا جميعًا وما ذاقوه.

 

تأثر عكرمة بشخصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تأثرا عظيما ، فحينما قدم عكرمة ليعلن إسلامه وثب النبي  إليه دون رداء مستقبلاً له؛ فرحًا بقدومه، وقال له: "مرحبًا بالراكب المهاجر"(رواه الترمذي وضعفه الألباني).  

 

ولعل الحبيب عانقه، فأزال ما على قلبه من ركام الجاهلية. ولا شك أن لهذه المواقف العظيمة وغيرها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعظمَ الأثر في نفس هذا الصحابي العظيم.

تُوُفِّي رضي الله عنه في معركة اليرموك، فوُجد به بضع وسبعون ما بين طعنة وضربة ورمية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ قصة الإسلام

ـ موسوعة ويكبيديا.

ـ موسوعة النابلسي.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...