عمار بن ياسر رجل من الجنة

وجوه وأعلام
08 - محرم - 1440 هـ| 19 - سبتمبر - 2018


1

لو كان هناك أناس يولدون في الجنة، ثم يشيبون في رحابها ويكبرون. ثم يجاء بهم إلى الأرض ليكونوا زينة لها ونورا، لكان عمار، وأمه سمية، وأبوه ياسر من هؤلاء!! ولكن لماذا نقول: لو، لماذا نفترض هذا الافتراض؟ وقد كان آل ياسر فعلا من أهل الجنة. وما كان الرسول عليه الصلاة والسلام مواسيا لهم فحسب حين قال: "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة". بل كان يقرر حقيقة يعرفها ويؤكد واقعا يبصره ويراه.

 

خرج ياسر والد عمّار، من بلده في اليمن يطلب أخا له، ويبحث عنه. وفي مكة طاب له المقام، فاستوطنها محالفا أبا حذيفة ابن المغيرة. وزوّجه أبو حذيفة إحدى إمائه سميّة بنت خياط. ومن هذا الزواج المبارك: رزق الله الأبوين عمارا. وكان إسلامهم مبكرا. شأن الأبرار الذين هداهم الله. وشأن الأبرار المبكّرين أيضا، أخذوا نصيبهم الأوفى من عذاب قريش وأهوالها!!

 

ولقد كانت قريش تتربّص بالمؤمنين الدوائر. فان كانوا ممن لهم في قومهم شرف ومنعة، تولوهم بالوعيد والتهديد، ويلقى أبو جهل المؤمن منهم فيقول له: "تركت دين آبائك وهم خير منك!؟. لنسفّهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك، ولنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك" ثم يشنون عليه حربا عصبية حامية. وإن كان المؤمن من ضعفاء مكة وفقرائها، أو عبيدها: أصلتهم سعيرا. ولقد كان آل ياسر من هذا الفريق.

 

ووكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم، يخرجون بهم جميعا. ياسر، وسمية وعمار، كل يوم إلى رمضاء مكة الملتهبة، ويصبّون عليهم جحيم العذاب ألوانا وفنونا!!

 

ولقد كان نصيب سمية من ذلك العذاب فادحا رهيبا. ولن نفيض في الحديث عنها الآن. فلنا إن شاء الله مع جلال تضحيتها، وعظمة ثباتها: لقاء نتحدث عنها وعن نظيراتها وأخواتها في تلك الأيام الخالدات.

 

 

وليكن حسبنا الآن أن نذكر في غير مبالغة أن سمية الشهيدة وقفت يوم ذاك موقفا يمنح البشرية كلها من أولها إلى آخرها شرفا لا ينفد، وكرامة لا ينصل بهاؤها!

 

ولقد كانت سميّة. وكان ياسر. وكان عمّار: من هذه الثلة المباركة العظيمة التي اختارتها مقادير الإسلام لتصوغ من تضحياتها وثباتها وإصرارها، وثيقة عظمته وخلوده.

 

قلنا إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يخرج كل يوم إلى أسرة ياسر، محيّيا صمودها، وبطولتها. وكان قلبه الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم وهم يتلقون العذاب ما لا طاقة لهم به. وذات يوم وهو يعودهم ناداه عمّار: "يا رسول الله: لقد بلغ منا العذاب كل مبلغ". فناداه الرسول: "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة"(رواه ابن إسحاق في السيرة: 1/ 203، بلاغا، ووصله الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني).

 

لقد كال الله نعمته لعمار، وهداه بالمكيال الأوفى، وبلغ في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يزكّي إيمانه، ويرفعه بين أصحابه قدوة ومثلا فيقول: "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ"(رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي3805).

 

ولقد وصفه الرواة فقالوا: "كان طوّالا، أشهل، رحب ما بين المنكبين. من أطول الناس سكوتا، وأقلهم كلاما". فكيف سارت حياة هذا العملاق، الصامت الأشهل، العريض الصدر، الذي يحمل جسده آثار تعذيبه المروّع، كما يحمل في الوقت نفسه وثيقة صموده الهائل، والمذهل وعظمته الخارقة؟!

 

ولما ذهب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الرفيق الأعلى، واصل العملاق زحفه. ففي لقاء المسلمين مع الفرس، ومع الروم، ومن قبل ذلك في لقائهم مع جيوش الردّة الجرارة: كان عمّار هناك في الصفوف الأولى دوما. جنديا باسلا أمينا، لا تنبو لسيفه ضربة. ومؤمنا ورعا جليلا، لا تأخذه عن الله رغبة.

 

وحين كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يختار ولاة المسلمين في دقة وتحفّظ من يختار مصيره، كانت عيناه تقعان دوما في ثقة أكيدة على عمّار بن ياسر". وهكذا سارع إليه وولاه الكوفة، وجعل ابن مسعود معه على بيت المال.

 

وكتب إلى أهلها كتابا يبشرهم فيه بواليهم الجديد، فقال: "أني بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا. وابن مسعود معلما ووزيرا. وإنهما من النجباء، من أصحاب محمد، ومن أهل بدر". ولقد سار عمّار في ولايته سيرا شق على الطامعين في الدنيا تحمّله، حتى تألبوا عليه أو كادوا. لقد زادته الولاية تواضعا وورعا وزهدا.

 

بلغ عمار ـ رضي الله عنه ـ الثالثة والتسعين، وهو يخوض آخر معارك حياته المستبسلة الشامخة. كان يلقن الحياة قبل أن يرحل عنها آخر دروسه في الثبات على الحق، ويترك لها آخر مواقفه العظيمة، الشريفة المعلمة. وتوفي رضي الله عنه في الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...