عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبقرية القائد والإنسان لها أون لاين - موقع المرأة العربية

عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبقرية القائد والإنسان

وجوه وأعلام
03 - رجب - 1434 هـ| 13 - مايو - 2013


1

          الكتابة عن رموز الأمة الذين اكتملت صورهم الذهنية لدى عموم المسلمين ببطء وثبات، حتى صارت محفورة في الذاكرة عبر الأجيال والأزمان من الأمور الصعبة، خصوصا أن سير هؤلاء الأبطال رضعتها الأجيال مع حليب الأمهات، وأصبحت أي كتابة مهما بلغت جودتها غير مرضية، لاسيما لمن عايشوا هؤلاء الأبطال، وتشبعت أرواحهم بحياتهم وأسلوبهم في الحياة.

ومع هذا لا يجب الاستسلام والبعد عن تناول سيرهم رضي الله عنهم؛ لأن ذلك يحدث الجفوة، ويضعهم في معزل عن الذاكرة، وعن محاولة استلهام أعمالهم لتفعيلها في حياتنا اليومية.

لذلك يكفي أن نذكر أنفسنا بعمر t، ليستدعي كل منا حاله مع هذه الشخصية وموقعها في نفسه والتعايش مع صورته في ذهنه، لعيد للنفس توازنها، ويحاول مقاربة سلوكه مع سلوك هذا الرمز الإسلامي والإنساني والعظيم.

ولد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب t574 م، وقد اشتهر بالحزم والقسوة أيضا، لكنه كان يخفي وراء هذه القسوة قلبا رقيقا وروحا شفافة، وبعد ستة أعوام من ظهور الإسلام، والقرشيون يعانون المتاعب والمشاكل بسببه، ويدخلون في مناظرات ومحاورات!

 وفي غمار هذا الصراع الداخلي ولأن عمر من طبعه الحسم وعدم التردد، فقد قرر أن ينتهي من كل ما يؤرقه، وأراد أن يخلص نفسه ويخلص مكة كلها ممن أحدث فيها تلك التغييرات، فقرر أن يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، ألا وهو قتل النبي e!

 

وحين أخذ سيفه وخرج قاصدًا النبي محمداً، وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، فسأله عن وجهته، فلمّا عرف أنه يتجه لقتل النبي e قال له: "أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب قد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما قبله". فانطلق مسرعاً غاضباً إليهما، فوجد الصحابي خباب بن الأرت t يجلس معهما يعلمهما القرآن، فضرب سعيدًا، ثم ضرب فاطمة ضربة قوية شقت وجهها، فسقطت منها صحيفة كانت تحملها، وحين أراد عمر قراءة ما فيها أبت أخته أن يحملها إلا أن يتوضأ، فتوضأ عمر وقرأ الصحيفة وإذ فيها: "طه، مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى، تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى"سورة طه من 1ـ 8،  فاهتز عمرt وقال: "ما هذا بكلام البشر" وأسلم من ساعته.

ولأن اتفقنا أننا لسنا بحاجة إلى سرد سيرة هذا الرمز الإسلامي الفذ، فيكفينا أن نتوقف أمام محطات أنجزها في سبيل نهضة الأمة الإسلامية، منها أن يعد رضي الله عنه أحد عباقرة السياسة والإدارة في التاريخ الإسلامي خصوصًا والعالمي عمومًا، فقد اتسعت حدود الدولة الإسلامية خلال عهده اتساعًا عظيمًا، جعله يُقدم على إنشاء تنظيم إداري فعّال لإبقائها متماسكة وموحدة، وقد استتبع هذا الأمر تنظيم وإنشاء عدّة مرافق مهمة لم تعرفها العرب من قبل، أو عرفتها ولكن على نحو ضيّق بسبب طبيعة حياة الناس داخل شبه الجزيرة قبل الفتوح الإسلامية.

 ومن مآثر عمر بن الخطاب الأخرى توسيعه وترميمه للمسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة المنورة، لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج، بعد أن اعتنق الكثير من رعايا الشام والعراق ومصر وغيرها الإسلام.

في عهده نشأت الدواوين نتيجة لاتساع الدولة الإسلامية، واتصال المسلمين الفاتحين عن قرب بالأنظمة الفارسية والبيزنطية في الأقاليم والتعرف على حضارتها، فانتقوا من بين ذلك ما وجدوه ملائمًا للاقتباس، كما أبقوا على الكثير من الأنظمة الإدارية التي ثبت لهم صلاحيتها لتلك البلاد. وقد اخْتُلف في تحديد نشأة الديوان؛ فيحدده الطبري بالعام الخامس عشر للهجرة، بينما يذكره الماوردي في الأحكام السلطانية في العام العشرين.

وكان البريد موجودًا منذ تأسيس الدولة في المدينة المنورة، حيث كان النبي محمد e يبعث الرسل إلى الملوك والأمراء ومعهم الكتب ممهورة بخاتمه. وقد رتّب عمر البريد بعد أن اتسعت هذه الدولة؛ ليسهل عملية الاتصال بين المدينة المنورة والعمال وقادة الجيش في العراق وفارس والشام ومصر، فكتب إلى معاوية بن أبي سفيانt في الشام يحثه على استعمال النار في الإشارات، لنقل الرسائل والأخبار، وإقامة الحرس على مناظرها واتخاذ المواقد لها. وقسّم الطرق إلى محطات بريدية بين الواحدة والأخرى مسافة اثني عشر ميلاً، وفي كل منها الحرس والزاد والماء.

 

وقد أدرك عمر بن الخطاب t أهمية الجيش في نشر الإسلام، لذلك أوجد فرقًا نظامية تُقدّر كل منها بأربعة آلاف فارس لترابط في كل مصر من الأمصار، وهذا يعني تأسيس جيش نظامي ثابت يُقدّر باثني وثلاثين ألف فارس عدا المشاة والمتطوعين، مما يكفل حماية الدولة، ونظّم الرتب في الجيش مثل "أمير الجيش" على عشرة آلاف أو تزيد، و"أمير الكردوس" على ألف، و"القائد" على مئة.

وكما نظم الجيش فقد نظم الشرطة والأمن، وكذلك القضاء، والحسبة أيضا، و يرى بعض المؤرخين أن الحِسبة نشأتْ في عهد عمر بن الخطاب، حيث وضع أُسسَها واختصاصاتِها، وكان يقوم بها بنفسه، ثم أوكلها إلى رجل، أطلق عليه لقب "المحتسب". بينما يرى آخرون أنها نشأت في عهد الرسول  محمد e.

والحسبة هي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يُعَيِّنُ لذلك مَنْ يراه أهلاً له. وكانت مهمة المحتسب تتمثل في: مراعاة أحكام الشَّرع، وإقامة الشعائر الدينية، والمحافظة عليها، والنظر في أرباب البهائم، ومراقبة مَن يتصدَّر لتفسير القرآن الكريم، والنظر في الآداب العامة، وفي البيوع الفاسدة في السوق، والموازين والمكاييل.

لم يسلم عمر t من حقد الفرس الذين بقوا على المجوسية، حيث كانوا يضمرون الحقد والكراهية لقائد الدولة الإسلامية التي دحرت جيوشهم، وقضت على إمبراطوريتهم واسعة الأطراف، وقد خططوا لقتله ونفذوا ما خططوا له حين طعنه أبو لؤلؤة فيروز الفارسي بخنجر ذات نصلين ست طعنات، وهو يُصلي الفجر بالناس، وكان ذلك يوم الأربعاء 26 ذي الحجة سنة 23 هـ، الموافقة لسنة 644 م، ثم حُمل إلى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس.

 وحاول المسلمون القبض على القاتل، فطعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ستة، فلما رأى عبد الرحمن بن عوف t ذلك ألقى رداءًا كان معه على أبي لؤلؤة فتعثر مكانه، وشعر أنه مأخوذ لا محالة فطعن نفسه منتحرًا.

تعدد آراء الغربيين في عمر بن الخطاب t، منهم صاحب كتاب الخالدون مئة، أعظمهم محمد e، الكاتب الأمريكي مايكل هارت، حيث عده من الأفذاذ الذين أثروا في حياة البشرية.

وكذلك المؤرخ الأمريكي واشنطن ايرفينج في كتابه "محمد وخلفاؤه" حيث قال عنه: إن تاريخ عمر بالكامل يظهر لنا أنه (عمر) t كان ذا عقليّة فذّة، ونزاهة ثابتة صلبة، وعدالة صارمة، وكان أكثر من أي أحد آخر هو المؤسس للإمبراطورية الإسلامية، مؤكدا ومنفّذا للوحي النبوي، مساعدا ومشاورا لأبي بكر t خلال فترة خلافته القصيرة، وواضعا ومؤسسا للأنظمة واللوائح التي تنظم إدارة القانون عبر حدود وأنحاء الفتوحات الإسلامية الممتدة بسرعة، وقد كانت (سياسة) اليد الصارمة التي تعامل بها مع قادة جيوشه الأكثر شعبية في خضم جيوشهم وفي أبعد مشاهد انتصاراتهم، أعطت (هذه السياسة) دليلا بارزا على قدرته الاستثنائية على الحكم.

من خلال بساطة عاداته وازدرائه لمظاهر البهاء والترف والأبهة، فقد اقتدى بمثال النبي e وأبو بكر t. وقد سعى بشكل مستمر ليؤثر ويحث قادة جيوشه على التحلي بهذه الصفات والسياسات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ موسوعة ويكيبديا.

ـ مواقع إنترنت.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...