عمر بن عبد العزيز قدوة الحكام والعلماء

وجوه وأعلام
18 - ربيع أول - 1435 هـ| 20 - يناير - 2014


1

كما كان الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله (61 هـ ـ 101 هـ = 681م - 720م) قدوة للحكام في الرحمة والرأفة والعدل الاجتماعي، وهو ما اشتهر عنه، فقد كان قدوة في العلم، وله جهود علمية كبيرة أثبتتها له المصادر التاريخية.

 

صاحب اهتمام عمر بن العزيز بالعلم نشأته، حين اختار والده له الإمام: صالح بن كيسان ليكون مربيا له، فتولى صالح تأديبه وتعليمه، وحبَّبه في العلم، وكان أبوه حريصًا على تقويمه، وتشجيعه على الجد والاجتهاد؛ يروي ابن كثير عنه أنه كان يلزم الصلوات المفروضة في المسجد منذ نعومة أظفاره، فتأخَّر مرة عن صلاة الجماعة، فسأله مؤدبه صالح بن كيسان عمّا أخره، فذكر له أن الخادمة كانت ترَجِّل له شعره، فقال له: بلغ منك حبك تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة، وكتب إلى والده في ذلك، فبعث أبوه له من يحلق رأسه.

 

وكما اهتم والده بتأديبه وتأسيه العملي فقد اهتم عمر بن عبدالعزيز بأبنائه، وكان نموذجًا مثاليا في تربية أبنائه على العلم، وحُبِّ العلماء وتوقيرهم، واتبع إجراءاتٍ تعليمية جعل منها منهجًا جديرًا يلبي حاجة الناشئ المسلم، وكان يغرس في أبنائه حب العلم منذ الصغر، ويتعاهدهم بالرعاية والعناية، فها هو: يعلِّم ابنه عبد الملك مُذْ أصبح يجيد الكلام، القراءة وبعض القرآن، قبل أن يدفع به للمعلمين، ويقول له ابن عمه في ذلك: دعه يلعب مع الصبيان، فما زال طفلاً، فأخذ عمر بيده وقال له: "يا بُنَيَّ كُنْ عالمًا، فإن لم تستطع فمتعلمًا".

 

ولما اطمأنَّ إلى أنَّ بنيه قد أخذوا حظهم من التربية المستقيمة في بيت الأبوة القويمة العليمة، وأُسِّسَتْ أخلاقُهم على التقوى، وتشرَّبت نفوسُهم حبَّ العلم والتعلُّم، اختار لهم مؤدِّبًا عالمًا تقيًا، بعث به إليهم، وأرسل إليه رسالة يحدد له فيها الطريقة المثلى للتأديب فقال له: "فإني قد اخترتك على علمٍ منِّي بك، لتأديب ولدي، فصرفتهم إليك من غيرك من موالي وذَوِيَّ الخاصة بي،.. وليفتتح كل غلام منهم بجزء من القرآن يثبت في قراءته، فإذا فرغ تناول قوسه ونبله وخرج للرمي...". وظلَّ يتابع أبناءه ويتعهَّدهم بالرعاية، ويُسدِّد خطاهم ويوجههم، فكتب إلى أحد أبنائه يقول: "يا بُني احذر الصرعة على الغفلة، حين لا تستجاب الدعوة، ولا سبيل إلى الرجعة، ولا تغترنَّ بطول العافية، فإنما هو أجل ليس دونه فناء، ولا بعد أن تستكمله بقاء".

 

وقال لابنه عبد العزيز: "يا بُني إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم، فلا تحملها على شيء من الشر، ما وجدت لها محملاً على الخير". وبلغه أن ابنًا له اتخذ خاتمًا، واشترى له فصًا بألف درهم، فكتب إليه عمر قائلاً: "أما بعدُ، فقد بلغني أنك اشتريت فصًا بألف درهم، فبعه، وأشبِع به ألف جائع، واتخذ خاتمًا من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرًأ عرف قدر نفسه".

 

هكذا كان تأديب عمر لأولاده، ذلك الخليفة الذي اقتدى بعلماء كبار مثل "عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود" الذي كان عمر يحترمه ويُجِلُّه كثيرًا، وأخذ عنه ونهل من علمه وأدبه، ولما تُوُفِّي والده ضمه إليه عمُّه عبد الملك بن مروان (الخليفة الفقيه)، مما دفعه إلى العلم دفعًا، وجعله يدرك ـ منذ فترة مبكرة ـ أن الحياة لا تقوم إلا بالعلم، وأن العلم "لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك".

 

وهكذا تربى عمر وتعلم على يد طائفة كبيرة من العلماء والفقهاء، بلغ عددهم ثلاثة وثلاثين عالمًا، فيهم ثمانية من الصحابة، وخمسة وعشرون من التابعين، نهل من علمهم وتأدب بأدبهم، ولازم مجالستهم حتى ظهرت آثار هذا العلم وهذه التربية على تصرفاته، فامتاز بشخصية علمية دقيقة.

 

وأحب عمر العلم منذ نعومة أظفاره، فرحل في طلب العلم، وأطال الجلوس في حلقات الفقهاء، ومجالس المحدثين. ومنذ كان واليا للمدينة المنورة وهو حريص على تلقي العلم من الصحابة وكبار التابعين، يذكر أنه كان يكثر من مجالسة شيخه "عبيد الله بن عبد الله بن عتبة"، وكان من شيوخه أيضًا سعيد بن المسيب، الذي عُرِفَ عنه أنه كان لا يأتي أحدًا من الأمراء إلا عمر، وذلك لما عرفه عنه من حبه للعلم، وتوقيره للعلماء، ولمكانته العلمية وما حصله فترة شبابه من علم جعله معلمًا لكثير من معاصريه، ومن شيوخه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان مجلس عمر: يضم نخبة من كبار العلماء يذكر الإمام محمد بن مسلم الزهري (الإمام العالم) أنه كان مع "عمر بن عبد العزيز" في ليلة يتحادثان، فقال له عمر: "كل ما حدَّثتَه الليلة فقد سمعته، ولكنَّك حفظت ونسينا". وهذا يبين رسوخ قدمه في طلب العلم، وكثرة سماعه، وسعة اطِّلاعه، حتى يصرِّح للإمام الزهري، بأنه سمع كلَّ ما حدَّث به.

 

وهناك دلائل على سعة علمه واطلاعه، منها أنه ما من كتاب من كتب السنة أو الفقه الاستدلالي، إلا وفيه ذكر لعمر ابن عبد العزيز، من حديث أو رأي، أو أمر، أو قضاء، ونحو ذلك.

 

الاحتجاج لرأيهم بقوله وفعله، من ذلك الرسالة الشهيرة التي بعث فيها الليث بن سعد إلى الإمام مالك، وفيها يحتج الإمام الليث غير مرة لصحة قوله بقول عمر على مالك فيما ذهب إليه في بعض مسائله.

 

كذلك يرد ذكره في كتب المذاهب الأربعة، على سبيل الاحتجاج به، حتى إن الحنفية جعلوا له وصفًا متميزًا به، وهو "عمر الصغير" تمييزًا له عن جده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والإمام مالك ذكره في "الموطأ" في زيادة على عشرين موضعًا، كما أنَّ أصحابه من بعده قد أكثروا من ذكر عمر في كتبهم، وكذلك فعل الشافعية، وأمّا الحنابلة فيكفي للدلالة على شأنه الكبير عندهم والاحتجاج بقوله، ما قاله إمام المذهب: "لا أدري قول أحد من التابعين حُجَّة إلا قول عمر بن عبد العزيز".

 

ومنها رسالته الطويلة العظيمة في الرَّد على القَدَرية، وحُجَجه القوية فيها، وتفنيد آرائهم، شاهد واضح، ودليل ناصع، على غزارة علمه، وكبير شانه، كذلك حجاجه للخوارج، وكشف زيوف آرائهم، حيث ناظرهم فما ترك لهم حُجَّة إلا كسرها بمنطق قويم، ودليل قوي، وحُجَّة غالبة، ورأي قاهر.

 

وقد اجتمعت آراء الأئمة وشهاداتهم على أن عمر بن عبد العزيز أحد الأفراد من العلماء الراسخين، ومن أبرز علماء زمانه المليء بكبار التابعين، وهذه شذرات من أقوالهم: عن الزهري قال عبيد الله بن عبد الله: "كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة". وهذه شهادة عظيمة من أستاذه وخاصة شيوخه. وقال مجاهد: "أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى أنه سيحتاج إلينا، فما خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه"، وقال أيضًا: "أتينا عمر نعلمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه".

 

وقال ميمون بن مهران: "كان عمر بن عبد العزيز معلِّم العلماء"، وقال فيه سيد العلماء أيوب السختياني- وكفى به-: " لا نعلم أحدًا ممن أدركنا كان أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منه".

 

وأمّا الإمامان مالك وابن عيينة فقالا: "عمر بن عبد العزيز إمام" وقال الحافظ ابن سعد فيه: "كان ثقةً مأمونًا، له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمام عدلٍ،: ورضي عنه"، ووصفه الحافظ ابن عبد البر بأنه: "كان أحد الراسخين في العلم". وقال الإمام الذهبي: "وكان إمامًا فقهيًا مجاهدًا، عارفًا بالسنن، كبير الشأن، ثبتًا، حجة، حافظًا".

 

فهذه كلمة إجماع من هؤلاء الأئمة الثقات، وبذلك أصبح عمر موئل العلماء، وقبلة الطالبين، روى الحديث فأكثر، ونظر في النصوص فاجتهد واستنبط، فأخذ عنه الفقهاء، واعتبروا رأيه حجة.

 

قال الليث بن سعد: حدثني رجل كان صحب ابن عمر وابن عباس، وكان عمر بن عبد العزيز يستعمله على الجزيرة، فقال: "ما التمسنا علمَ شيءٍ إلا وجدنا عمر بن عبد العزيز أعلم الناس بأصله وفروعه، وما كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ الدكتور راغب السرجاني قصة الإسلام.

ـ موسوعة ويكيديبديا.

ـ قدوة الحكام والمصلحين عمر بن عبدالعزيز للدكتور محمد صدقي.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- هويدا علي - السودان

23 - ربيع الآخر - 1435 هـ| 24 - فبراير - 2014




جزاكم الله خيرا وزادكم علما
اعاد الله للامة مثل عمر ورجال عمر

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...