عندما تكون الأم مدرسة!

كتاب لها
11 - شوال - 1437 هـ| 17 - يوليو - 2016


1

لا يختلف اثنان في كون الأسرة هي المنبت الأساس لسلوكيات وشخصيات الأبناء.

فالأبناء كالنبتة الصغيرة التي تتلقى غذاءها من تربتها لتنمو. وكذلك الأبناء تنمو وتتغذى شخصياتهم وسلوكياتهم من خلال ما يتلقونه في أسرتهم وعن طريق الوالدين خاصة. ويشكل كلا الوالدين عنصرين مهمين في تشكيل شخصية الأبناء. والحرمان من أحدهما لأي سبب كان، يجعل على الآخر عبئاً تربوياً مضاعفاً. وضغوطاً نفسيةً متزايدةً؛ لمحاولة إشباع جانب الحرمان الذي يحدث من فقدان أحدهما. وبالتالي قد يظهر للرائي أنه من الطبيعي أن ينحرف الأبناء نتيجة ما يعانوه من فقد وحرمان لأحد الوالدين، وخاصة السلطة الأبوية الضابطة.

 غير أن الواقع أثبت في وقائع كثيرة أن وجود الأم الواعية وكذلك التقية بعد توفيق الله يصنع أبناءً ليسوا فقط متساوون بأقرانهم، بل متفوقون على مستوى الأجيال. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تُثبت المرأة بجدارة على مدى سنوات وعقود متفرقة أنها هي المربية الأساسية وصانعة الأجيال لتنفي ما يقوله البعض بسخرية ((تربية امرأة)). وبين أيدينا نماذج من أزمان مختلفة، بل ومن أديان مختلفة تُجسد الدور التربوي المهم للأم في تشكيل شخصية الطفل، وإبراز ما لديه من مواطن قوة وإبداع ليكون علماً في عصره. بل وعصور مختلفة.

فها هي عمة النبي صلى الله عليه وسلم صفيــة بنت عبد المطلــب أم الزبير بن العوام رضي الله عنهما ترعى ولدها الزبير بعد أن فارقه والده وهو طفل صغير، فبدأت تدربه على الشجاعة فتصحبه في أكثر أماكن مكة ظلمة وتتركه لتنزع الخوف منه، وتنبته على الشجاعة والقوة. حتى شب فارساً شجاعاً شــهد مع الرسول (صلى الله عليه وســلم) كل الغزوات، وشارك في الفتوحات الإسلامية، وأصبح أحد العشرة المبشرين بالجنة. بينما نجد نماذج من أطفال اليوم من يهاب ويصرح من أصغر الحشرات، ويرتعب من خوض أي مكان داهمه الظلام!

وكذلك هي أم الإمام محمد بن إدريس الشافعي التي تعهدت ولدها بالرعاية بعد موت والده ونذرته للعلم. فعادت به إلى مكة وهو ابن ثلاث سنين  ـ رغم قلة ما تملكه من مال-؛ ليتعلم ويحفظ القرآن. فأتم حفظ القرآن في السابعة، ثم انطلق لحفظ الأحاديث النبوية والتفسير بتشجيع ودعم من والدته. وتم له ذلك في الثالثة عشر من عمره. ولم يكن يمتلك المال ـ رحمه الله ـ لمواصلة رحلته العلمية، فاشتكى إلى أمه حاجته للورق. فلم يكن منها إلا أن تنطلق إلى ديوان الملك لجمع ما يتم الاستغناء عنه من الورق، ليكتب ولدها على وجه الورقة الآخر. كل ذلك لتعينه وتدفعه لطلب العلم. حتى أصبح عالماً وحجةً في علمه. وثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وأسس المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي. وتتلمذ على يده الكثيرون.

 فهو صرح علمي في الكثير من العلوم. فأمه رحمها الله لم تصنع عالماً فحسب، بل صنعت أمةً من بعده.

أما قصتنا الثالثة: فهي نموذج غير إسلامي، لكنها تُجسد ما للأم من دور في تنشئة الطفل وصقل شخصيته. وكيف أن ذلك يُغير مسار حياته إن كان محل عنايتها واهتمامها.

فلم تكن أم توماس أدسون (مخترع المصباح) تؤمن بما يقوله الآخرون عن ولدها، فقررت صناعته بنفسها، فلم تهتم برفض المدرسة لولدها، وبما وصفه مدرسوه عنه من غباء وشرود ذهني وضعف في تحصيله الدراسي. بل احتوته بالحب والرعاية، وأخذت تعلمه القراءة والكتابة والعلوم، واهتمت بتثقيفه وتعليمه، فمنحته كتب التاريخ وما يستهويه من الكتب، ووفرت له ما يلزمه ليحاول ويبدأ في ممارسة هوايته واختراعاته. حتى أضاء العالم بمصباحه، وبلغ عدد مخترعاته نحو 1093 اختراعا. فبلغ بإنتاجه المركز الرابع في التاريخ. كل ذلك بعد أن أهملته مدرسته، ويئس منه مدرسوه وأطلقوا عليه لقب البيضة الفاسدة. فتعاهدته والدته.

وقد اختصر عطاء أمه له في كلمة سطرها التاريخ فقال عن أمه:((إن أمي هي التي صنعتني؛ لأنها كانت تحترمني وتثق بي. أشعرتني أني أهم شخص في الوجود، فأصبح وجودي ضرورياً من أجلها، وعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلني قط)).

فهؤلاء أمهات كان لهن هدف اجتهدن لأجله. وبلغنه بتوفيق الله، ثم بإصرارهن وصبرهن.

فأي هدف أعددنا أبناءنا لأجله وأعناهم عليه؟

وماذا صنعنا لأطفالنا وبأطفالنا؟ وماذا قدم الأمهات والآباء وهم مجتمعون لأبنائهم؟

تلك أسئلة لابد أن نسألها لأنفسنا دائماً؛ لنعرف إلى أي اتجاه نسير بهم؟ وماذا سنقدم لهم لنحصد ما نرجوه منهم؟

وصدق الشاعر عندما قال: "الأم مدرسةولكن أي مدرسة!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...