عندما تنزف النفس! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

عندما تنزف النفس!

عالم الأسرة » همسات
06 - صفر - 1440 هـ| 17 - اكتوبر - 2018


1

تتشابه النفس والجسد في تعرضهما للحوادث وما يعقبها من الآثار، فكلاهما يتأثر بالصدمات المختلفة وينزف. غير أن نزف النفس يتجسد في الألم والمعاناة مع اعتلالها بالاضطرابات النفسية المختلفة؛ وذلك نتيجة تعرضها لصدمات قاسية، تفوق قدرتها على الاحتمال، كالتعرض لموقف صدمي شديد بوفاة عزيز، أو إخفاق عاطفي أو اعتداء وعنف في الظروف العادية، أو خلال الحروب والكوارث الطبيعية، أو حتى من إثر معايشة موقف حقيقي صادم لشخص آخر، يكون قاسياً مؤلماً لا تتحمله النفس نتيجة الشعور بالعجز، تجاه هذا الحدث، وعدم إمكانية التغيير فيه؛ وكذلك لمحاصرتها بالخوف الشديد والخطر، الذي يهدد حياتها أو حياة من حولها. فتنزف ألما ويأسر العجز جنباتها.

وعلى إثر هذه الأحداث الصادمة: تظهر هذه الهزة النفسية، بما يسمى باضطراب ما بعد الصدمة، والذي يتميز بمجموعة من الأعراض التي تختلف شدتها من شخص لآخر، لكنها تتميز بوجودها بشكل عام عند كل الحالات التي تعرضت للصدمات.

فتتشكل الأعراض النفسية لهذا الاضطراب، بتكرار مشهد الصدمة، وما حدث فيها كشريط سينمائي، يتم تشغيله بصورة متكررة، ولا إرادية في الكثير من الأوقات، أو الاقتحام المتكرر لأحداث الصدمة على هيئة فلاشات، تُظهر الصور المؤلمة، سواء بمحفز يجلبها أو بدون. وتتكرر أيضاً في المنام؛ مما تسبب الفزع، ويحدث القلق من النوم، نتيجة تكرار الكوابيس المزعجة. وكل ذلك يجعل من الصدمة حية في ذاكرة المصدوم، مما يُشعره بالخطر الدائم والقلق، وهي ما تسمى بمرحلة الذكريات الاقتحامية أو الاجترارية.

 

ونتيجة لهذه الذكريات المؤلمة المتكررة: تحدث عادة آثار سلوكية تجنبية بعد الحدث الصادم؛ فيتجنب الضحية الحديث عما حدث أو حتى التفكير فيه، وأيضاً بتجنب الأشخاص أو الأماكن التي كانت لها علاقة بما حدث؛ وذلك يؤثر بشكل كبير على حياته وعلاقاته الاجتماعية والشخصية. فقد تؤدي لخسارة عمله أو الانفصال عن أسرته، وقد يحاول استخدام سلوكيات هروبية مدمرة للتخفيف من معاناته، كالإقدام على الانتحار أو المخدرات، مما يزيد المشكلة تعقيداً.

 

وتترافق مع هذه التغيرات: تغيرات في طريقة التفكير والمزاج، فتظهر مشاعر الإحساس بالذنب تجاه ما حدث، ومشكلات في الذاكرة، فلا يستطيع تذكر بعض التفاصيل التي حدثت معه خلال الصدمة، فضلاً على التيقظ والشعور بالخطر والقلق والتوتر والأرق، وعدم القدرة على التركيز وتوقع الخطر والشر؛ مما يوقعه في الانفعالات السلبية من نوبات غضب وعدوان، مع المعاناة من بعض الأمراض كالاكتئاب أو الوسواس. كما أن الشعور بالخوف والتهديد المستمر قد يدخله في نوبات الهلع. وكل ذلك يُحدث تغير في شخصيته ككل، خاصة مع حدوث ما يسمى بالخدر الانفعالي والذي يتجسد في انخفاض في التفاعل والإحساس بالمشاعر المختلفة من فرح وحزن، وكذلك انخفاض اهتمام المصدوم بالأنشطة والجوانب الاجتماعية التي اعتاد عليها من قبل؛ مما يندفع للعزلة والانسحاب الاجتماعي.

وعادة ما تظهر الأعراض واضحة خلال ثلاثة أشهر من الحدث الصادم. وقد يتأخر ظهور الأعراض لعدة أشهر. ويكون تأثير الحدث الصادم، وما يعقبه من أعراض الصدمة أشد كلما كان الموقف أشد قسوة، وكان الضحية أصغر سناً، أو كان تكرار تعرضه على مدى طويل، وكذلك تختلف باختلاف شخصية المريض، قبل تعرضه للصدمة، ومدى معاناته من المشكلات النفسية، أو أن يكون له تاريخ مرضي في عائلته.

وتمر الصدمة النفسية بعدة مراحل، تتسم كل مرحلة خلالها بسمات مميزة. وتسبق هذه المراحل حالة من تبلد المشاعر والذهول، وتبدو كلحظة جمود دون تفاعل مع استغراب، وذلك عقب الصدمة مباشرة، قد تكون دقائق أو أكثر، تختلف من شخصية لأخرى، وبحسب نوع الصدمة. وبعدها ينتقل المصدوم في مراحل الصدمة الأخرى، حيث تمر الصدمة بخمس مراحل، تتميز كل منها بسمات عدة:

المرحلة الأولى: الإنكار والرفض لما حدث، في محاولة لإبعاد الألم عن النفس بعدم قبول الصدمة، فمن فقد عزيز يردد (لا أصدق بأن فلان مات كان معي اليوم.. كلمني.. رأيته) وكذلك من علم بإصابته بمرض خطير، فإنه ينكر شعوره بأي تغير، ويطلب تغيير الطبيب، أو إعادة الفحوصات مراراً. وكذلك باقي الصدمات تحمل في هذه المرحلة الإنكار في قبول ما حصل. وهي تمثل وسيلة دفاعية؛ لحماية العقل والنفس من فاجعة تقبل الوضع الجديد والمؤلم دفعة واحدة، إنما يتم إنكاره كوسيلة دفاعية، حتى يتم استيعابها تدريجياً دون آثار خطيرة.

المرحلة الثانية: مرحلة الغضب وهنا تبدأ المرحلة الفعلية للصدمة، عند استشعاره بوقع ما حدث، والتفكير بأثره وألمه. وعندها يبدأ بالغضب والبكاء والصراخ، وقد يكون عنيفاً أثناءها على من حوله بالكلمات أو بالسلوك من شدة الصدمة، ومحاولة منه لإزاحة المشاعر المؤلمة من داخله؛ ليفرغها فيمن حوله. بالإضافة إلى محاولة توجيه الغضب على من حولنا، بأنه كان المتسبب فيما حدث، وقد يكون الغضب موجه للنفس بلومها على تقصيرها.

المرحلة الثالثة: تتسم بالاحتجاج على ما حصل حيث يبدأ يستوعب فيها المصدوم ما حدث لكنه في الوقت نفسه يرفضه، ولا يريد أن يتقبله؛ فيبدأ يلوم نفسه (لو أني لم أترك والدي لما أصابته الأزمة القلبية وتوفي.. لو كنت معه لأنقذته..) وقد يلوم ويعترض ببعض الكلمات، يا ربي لماذا يحدث هذا معي؟ ويحاول المساومة أو التمني بأساليب عدة. يا رب لو رجع والدي لأفعل كذا. لو عاد لن أغضبه مرة أخرى، وسأهتم به كثيراً. وكأنه يتمنى عودته، ويساوم عليها بما يستطيع تقديمه؛ ليخفف عن نفسه التفكير في الحدث ليفكر في حلول لما حدث.

المرحلة الرابعة: الكآبة فبعد كل المراحل السابقة، والمحاولات يدرك المصدوم أن ما حدث قد حدث، ولا يمكن دفعه أو تغييره أو إنكاره، أو حتى المساومة فيه أو الاحتجاج عليه، فيعيش في ألم ما حدث، وتسيطر عليه أفكار الألم والمعاناة، مما تدخله في حالة اكتئاب وعزلة، فما زال في دائرة المشاعر القاسية التي تشل فكره وسلوكه. وكثيراً ما تكون هذه المرحلة هي الأطول عند من تعرض الصدمة.

المرحلة الخامسة: التقبل وهي مرحلة الخروج من الصدمة النفسية، والتي يصلها تقريباً ثلثا من تعرضوا للصدمات بشكل تلقائي وتدريجي مع الوقت، دون الحاجة للمساعدة الطبية، بل من خلال الأهل والأصدقاء بعد الاستعانة بالله. بتقبل ما حدث، والرضا بالوضع الجديد بكل التغيرات التي طرأت عليه. وهنا يكون قد تجاوز الصدمة، ورجع تقريباً لحياته. وشعر بالتقبل والتعايش لما حدث مع شعوره بالرضا بالقضاء والقدر.

غير أن الثلث الأخير ممن عانى من الصدمات، يحتاج للمساعدة العلاجية؛ لكونه لا يستطيع تجاوز ما حدث، فتظهر عليه الأعراض السابقة، وتتغير حياته وشخصيته بشكل كبير. وليرجع لحياته الطبيعية: فإنه بحاجة لبدء العلاج من حيث توقفت نفسه، عند أي من المراحل السابقة؛ ليتم نقله تدريجياً لمرحلة التقبل. إن المرور بهذه المراحل أمر طبيعي، لكنه لا يتحتم على الجميع المرور بها بالترتيب نفسه، أو المكوث في كل مرحلة بالقدر نفسه، فذلك يختلف من شخص لآخر.

ويمثل العلاج السلوكي المعرفي المحور الأساسي لتجاوز المشكلة، وقد يرافقه العلاج الدوائي وذلك تبعاً لشدة الحالة ومدتها وشخصية المصدوم. وتتمثل أهم النصائح التي تُقدم للمريض في هذه الحالة:

  • التحدث عما حدث، وإخراجه من حيز الكتمان النفسي، الذي يزيد من ألمها دون أن يقدم لها أي نفع، ويكون التحدث إما بالكلام المباشر، أو عن طريق الكتابة لكل تفاصيل ما حدث وبشكل متكرر؛ ليتم التنفيس عن كل المشاعر السلبية في الحدث.
  • ممارسة الاسترخاء والرياضة لمواجه التوتر والحد منه.
  • التعرض لكل ما تم تجنبته كالتعرض للأماكن التي حدثت فيها الصدمة، أو لها علاقة بالحادث لكسر الخوف بالمواجهة، فالتعرض المتكرر يُنشئ التعود ويحد من الخوف والقلق.
  • البدء باستعادة الحياة السابقة بكل تفاصيلها وبالتدريج، فالتجنب والعزلة لا يقدمان غير الزيادة في الألم والانكسار النفسي.
  • إعادة تقييم ما حدث بعقلانية دون مشاعر. فتفهم المريض أنه لا علاقة له بما حدث مع مواجهة الأفكار السلبية، وأن ما حصل هو ضمن القضاء والقدر ولا ذنب له فيه. وأن ما حصل سيحصل بوجوده، أو بعدم وجوده يمنحه بعض الراحة والطمأنينة.

إن كتمان ما حدث مع وجود المعاناة: لا يعني أن الحالة النفسية على قدر من السوء والاتزان النفسي، فالنفس تنزف وبصمت، ومع كل نزف تخسر الكثير من طاقتها ومكوناتها الإيجابية، مع تكرار النزف وطول الوقت. لذلك دائماً ما نحتاج لكشف جراحنا، بدلاً من تغطيتها؛ حتى نستطيع علاجها بشكل جيد، وإيقاف النزيف والتعويض عن هذا النزف بقوة أكبر، مع نضج وخبرة تُمكن صاحبها من إدارة المواقف الحياتية القادمة بشكل أفضل؛ لتصبح الضربة ـ التي لا تقتل هي ذاتها ـ مصدراً للقوة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...