عندما نتحدث بصمت!

كتاب لها
24 - جمادى الآخرة - 1437 هـ| 03 - ابريل - 2016


1

كثيراً ما تكون كلماتنا صامتةً لا صدى لها، وأصواتنا خافتة لا تصل لأبعد من أفواهنا، فتبقى الحقيقة خفية في طيات صدورنا؛ لأنها بسهولة تمس ذواتنا، وتؤثر على جودة حياتنا.

ولأن الجروح لا تُداوى بحجبها دون علاج، فإننا بحاجة للاعتراف ببعض واقعنا، وأن نتحدث بلغة واضحة، وصوت يهز كل جوانب الصمت. لنجعل مشكلاتنا تطفو فوق السطح لنعترف بوجودها فنتمكن من علاجها.

فعلى الرغم مما وصلنا إليه من انفتاح وتقدم، إلا انه ما زال الكثيرون يجهلون حقيقة وجود الأمراض النفسية. وينكرون إمكانية علاجها بالأدوية، أو بالأساليب العلاجية النفسية المختلفة؛ لأنهم بسهولة تناسوا أن الجسم والنفس وجهان لعملة واحدة، وأن كلاهما يؤثر في الآخر. وحتى وإن تدارك البعض هذا المفهوم، تبقى إشكالية العلاج النفسي مشكلةً صعبة الاستيعاب لدى فئة منهم، إما لأنهم في رفض داخلي للوقوع في الاضطرابات النفسية كي لا تكون وصمة عار من بعض المحيطين بهم، أو لإشكالية تتعلق بما يعتقدونه عن الأدوية النفسية، والتي يعتبرونها نوعاً من المخدر والمهدئ لا العلاج، وأن مجرد الدخول في دوامتها يمنعهم من الخروج منها لإدمانهم عليها. فهي في نظرهم ليست علاجية، إذ لا يعتقدون أن هناك من تناولها وتعافى وتخلص منها، وأنها لم تشكل في حياته غير مرحلة كان قد عان فيها، ثم تجاوزها بفضل الله، ثم بالعلاج النفسي بشتى أنواعه.

والحقيقة تكمن أن بعض المجتمعات لا تتقبل فكرة المرض النفسي، مما يضطر البعض بأن يتعالج بسرية تامة، ويستمر عليها حتى تعافيه. وبالتالي لن يكون في القائمة الإحصائية الظاهرة للمجتمع ممن استفاد من العلاج النفسي؛ لأن السرية هي سيدة الموقف. فاحتفاظه بالسرية يمنعه من أن يوضح للمجتمع ومن حوله أنه شكل أحد المرضى الذين تعافوا مع العلاج، ليغير بعض مفاهيمهم تجاهه. لذا فإن إمكانية إحصاء المرضى الذين مازالوا يتناولون الأدوية النفسية مرتفعة، عمن استعاد صحته واستغنى عنها. لكن هذا لا ينفي أن الأدوية وإن كان للقليل منها خاصية التعود أنها علاجات تتعامل مع الاضطراب الحاصل في الجسم، نتيجة حدث ما، أو الضغوط المختلفة والتي يتأثر التفكير تبعا لها فيتأثر الجسم بها.

كما ويشكك البعض في إمكانية العلاج النفسي غير الدوائي، والذي ثبت بالأبحاث أنه شديد الأهمية في تغيير سلوكيات وأفكار المضطربين، والتي كثيراً ما تكون سببا في معاناتهم. فهو ليس مجرد نثراً لكلام عابر، إنما هو ذو منهج علمي ومنطقي يسير بالمريض خطوةً خطوة ليتدرج في تغيير أسلوبه الفكري والسلوكي ليصل بإذن الله لبر الأمان. وهو علاج قد يصاحب العلاج الدوائي وقد يكون العلاج الأفضل لبعض الاضطرابات الخفيفة والمتوسطة، والتي يبدي أصحابها التعاون العلاجي المناسب.

لذا فإنه من المهم أن نلبس الحقائق ثوب الواقعية، فلابد أن تكون لنا وقفة مع ذواتنا لنستنير، ونعلم أن المرض ابتلاء، وما أنزل الله من داء، إلا وله دواء. وأن المرض النفسي ليس عاراً أو نقصاً في شخصية ودين من يصيبه، فهو مرض كأي مرض عضوي قد يصيب أياً منا. كما أنه ليس عائقاً له، بل إن كثيراً ممن ظهرت إبداعاتهم كانوا ممن ابتلاهم الله بشيء من الاضطرابات النفسية المختلفة. كما وأن العلاج ليس عاراً، بل خُطوات نحو التميز بصقل النفس من غطاء ألم حجبها عن نجاحات. فليس الرهاب مجرد خجلاً وحياءً ولا الاكتئاب حزناً عابراً، كما وليس القلق المستمر وتضخيم الأمور مجرد حذراً واهتماما، فالفروق واضحة وضوح السواء من الاضطراب.

لكن يبقى اعترافنا بوجود المشكلة هو الخيط الأول للوصول للعلاج المناسب، بإعطاء كل مسمى موضعه الصحيح؛ ليساهم في استبصارنا للمشكلات. لنبدأ معها رحلة العلاج والتميز. ولا يكون ذلك إلا عندما يتحدث الصمت.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...