عندما نغيّب التربية لها أون لاين - موقع المرأة العربية

عندما نغيّب التربية

عالم الأسرة » همسات
29 - رجب - 1438 هـ| 26 - ابريل - 2017


1

التربية لفظ جميل، ومعنى شامل وعميق. هكذا أراها. أراها كلمة من أجمل الكلمات وأرقّها ملمحا، وأعمقها دلالة وأبقاها أثرا، عجزت المجلّدات اللغويّة أن تعطيها حقّها شرحا وتفسيرا. إن فعّلوها بعدا وروحا وهدفا، ووظّفوها في حياتهم ومناهجهم وبرامجهم ومقرّراتهم وسلوكيّاتهم. عمّ الخير وتوافرت أسبابه، وسطع نور الفضيلة، وشعّت أضواؤه. لكن وبالعكس تماما: إن حيّدوها وغيّبوها - وهذا ما هو حادث وحاصل وجار في معظم الأحيان، وفي أغلب الحالات وفي أكثر المجالات- فشا الجهل، وتسارعت تداعيّاته، وتفاقمت مضارّه، وساءت تبعاته، ولحق الفرد والجماعة والأمّة، ما لحق أقواما غابرة عبر التاريخ من التفرّق والتنازع والتباغض والتناحر، فذهبت ريح الفرد، وريح الجماعة، وريح الأمّة. هذه الكلمة الجامعة لكلّ ما هو قيم ودين وأخلاق، هذه الكلمة التي تضمّنت أرقى معاني الأدب والتنشئة والسلوك، وشملت أبعادا وعظيّة ودعويّة وإرشاديّة لكون الدين نصيحة، وتوجيها وأمرا بمعروف، ونهيا عن منكر. هذه الكلمة الجميلة التي لا تقوم، ولا تستقيم حياة للإنسان بدونها حيثما كان، قد عمل الغافلون ممّن اعتبروا الحياة مادّة على إقصائها عن واقع الحياة، بما أوتوا من قدرة على الالتواء والالتفاف على كلّ ماهو حقّ ونبل وعفّة وأخلاق، فأقصتهم في نهاية المطاف، وأنستهم أنفسهم، فضلّوا وأضلّوا. ورماها المهمّشون ممّن تعالموا وتعولموا بالعقم والعجز عن المواكبة والمداومة والاستمرار، مثلما رموا لغتهم، لغة الضادّ بالعجز والقصور عن المواكبة والتكيّف مع لغة تقنية العصر، فتركتهم مخذولين محسورين، بنأيهم عن شرفها وأدائها، وبعدها الجمالي في اختياراتهم وقراراتهم ومواقفهم، يتخبّطون وفي غيّهم يعمهون. تخلّى عنها هؤلاء جميعا، ومن لفّ لفّهم، ممّن تجوربوا بجوارب المنبتّين الحاقدين، من أبناء الغرب وأحفادهم، من الذين لا يمتلكون دينا وقيما، فداسوا بها الأرض بلا نعال، واستعاروا منهم ألسنتهم؛ ليدافعوا بها عنهم، وعن حرّياتهم وضلالاتهم بألسنة حداد، ليس في أرض هؤلاء المغرورين المغالين، وإنّما في أرض آبائهم هم وأجدادهم، وفي عقر ديارهم التي أبوا إلاّ أن يفسدوا فيها ما صلح من عادات أهاليهم، ويشوّهوا ما حسن من مخزونهم الثقافي والاجتماعي والتربوي. فنصّبوا أنفسهم دعاة للتغريب - وهم أبناء جلدتنا - ونادوا باستباحة الحرّيات، في بلد ينبغي أن تحترم فيه الحرّيات. واستبعدوا عن مناجدهم التافهة، وقواميسهم اليوميّة المتهالكة، وبرامجهم الشكليّة المفرّغة من مضمونها، ومن كلّ ما يحمل تقديرا وتثمينا لإنسانيّة الإنسان في أبعادها النفسيّة والروحيّة والأخلاقيّة - من خلال معاملاتهم وعلاقاتهم وسلوكيّاتهم وارتباطاتهم الأسريّة والمدرسيّة - نعم استبعدوا فعلا أجمل الكلمات، كلمات الخير والحياء والرشاد والسداد. استبعدوا كلّ ما هو دين وقيم و خلق وصلاح.             

          هكذا يصبح حال الأفراد والجماعات والشعوب والأمم، كحال من تخلّوا عنها، وتمرّدوا على قدسيّة معانيها الراقية. استشرى فيهم الجهل وأصابهم البؤس، ولحقهم التمزّق والتفرّق والشقاء، وإن بلغوا من الحضارة أوجها، ومن المدنيّة زخرفها مادّيا وصناعيّا وتقنيّا. هذا ما يحدث في كثير من دول العالم الثالث المنهكة، والتي لا تزال تخضع للتوجيه الثقافي للغرب المستعمر المستميت في استبدال هويّة الشعوب المستضعفة، وإذلالها ونشر الرذيلة، وإحداث التفرقة وإلهاب نار الفتنة والفرقة بتعلاّت مذهبيّة وحزبيّة، ثمّ المناداة بمنح الحرّيات منحا مطلقا بلا قيد ولا شرط، بدعوى حفظ كرامة الإنسان والدفاع عن حقوقه؛ ليصبح الجميع سواء، مخدّرين بحمّى التحضّر، وبشغف المادّية المطلقة المفلتة من الضوابط الروحيّة والروادع الزجريّة. هكذا عندما نغيّب عن واقعنا الإنساني نحن المسلمين، هذه الكلمة الجميلة ذات الاشتقاق القدسيّ المتجذّر في عمق معناها، والمرتبط أساسا بكلمة "ربّ"- ربّنا سبحانه وتعالى ربّ كلّ شيء - والتي تعني النماء والزيادة، في كلّ ما هو خير قولا وفعلا وعملا. أو عندما تستعمل - قصدا - شكلا  لا مضمونا وشعارا لا ممارسة ولا تكريسا لذرّ الرماد على العيون، أوعندما نتخلّى عنها طوعا أو كرها، فإنّنا فعلا نفقد الجوهر الذي تقوم عليه إنسانيّتنا، لنتحوّل إلى مقلّدين متشبّهين إمّعة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أو لنتحوّل إلى بشر من نوع خاصّ، تهيمن عليهم غرائزهم وأهواؤهم، وتسيطر عليهم شهواتهم ومطامعهم أو لننقلب نرجسيّين مصلحيّين أثرة تسوقهم متع الدنيا إلى حيث الضلال - لا قدّر الله - هذه الكلمة الليّنة الرقيقة في مخارج حروفها والعميقة في معانيها ألم يحن الوقت بعد؟! نعم وألف نعم، ألم يحن الوقت بعد ليعود إليها بريق مصطلحها الصحيح الفاعل من جديد، كما كان فاعلا فيما مضى؟! كما كان فاعلا فيما مضى على عهد الأتقياء الأنقياء الأصفياء الربّانيّين والعلماء الصالحين المخلصين، الذين عاشوا وعايشوا وربّوا الناس عامّتهم أمّيهم ومتعلّمهم عليها، مستلهمين أبعادها من كتاب الله جلّ وعلا "القرآن الكريم"، ومن سنّة نبيّنا محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وسيرة صحابته الكرام الطيّبين، وقد تشرّبوا أقواله وأفعاله وأعماله. ألم يحن الوقت بعد، لنعضّ عليها بالنواجذ، من خلال ضبطنا لسلوكيّاتنا وعلاقاتنا، فتنضبط أجيالنا المسلمة قلبا وقالبا، ويتربّى على معانيها الخصبة الواسعة، الولود أبناؤنا في المدارس والمعاهد والجامعات، وينشأ على جمال عاداتها القويمة: فلذات الأكباد منذ الحضانة في المدن والقرى والأرياف. فيحرص على تفعيل قيمها، ونشر فضائلها كلّ مربّ مخلص محتسب، والذي يفترض أن يكون النموذج القدوة المطلوب. أبناؤنا اليوم في حاجة أكثر ممّا مضى إلى أن تقوم حياتهم عليها، ليستقيم لديهم العقل، ويلين القلب، وتهذّب لديهم الغرائز، وتغرس في نفوسهم القيم. هم اليوم في حاجة إلى تربية صحيحة فاعلة، تغيّر وتهذّب، وتنمّي هم في حاجة إليها، أكثر من حاجتهم إلى رغيف الخبز؛ لأنّ رغيف الخبز رزق يسهل جلبه، بينما هي رزق يصعب نيله.      أصحاب القرار، وواضعي البرامج والمناهج والمقرّرات هل من يقظة من جديد؟ التربية تستصرخكم، والقيم تستنهض هممكم، واعلموا أنّ مسؤوليّة تنشئة أبناء الأمّة والوطن هذه المسؤوليّة التي تضطلعون بها، ستحاسبكم وتقاضيكم. فهل من موقف حازم، يتّقد يقظة ووعيا وحزما وإحساسا لإنقاذها ممّا علق بها من سموم وهموم وشوائب، ولتخليصها من المستهترين العابثين، الذين أبوا إلّا أن يلغوا وجودها، من كلّ ما هو أداء لدورها، ولكلّ ماهو وظيفة وواجب، تخطيطا وتأليفا وبرمجة وتفعيلا؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


محمد صادق بن محمد القردلي

دراسات علوم تربية وعلم النفس التربوي وشهادة تدريب معلمين

تخصصه آداب عربية وعلوم تربية.
يتقن العربية والفرنسية وبدرجة ثالثة الإنجليزية
عمل مدرسا ومديرا بالمدارس الحكومية بتونس
عمل موجها تربويا ومدربا لمدة عشرين سنة بتونس
ساهم بإنتاجاته التربوية والأدبية في الحقل التربوي
له مؤلفات ( منشورات تربوية) و( أسرار التعليم )
يعمل حاليا مشرفا تربويا بمدارس أهلية منذ خمس سنوات و مدققا لغويا بإحدى المجلات العربية
عمل متعاونا مع الوزارة ( الإدارة العامة لتقنيات التعليم وشعبة الرياضيات )


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...