عودة

أدب وفن » دوحة السرد
03 - رجب - 1439 هـ| 20 - مارس - 2018


1

وجدت الباب مفتوحا، لم أتمالك نفسي من السعادة التي ملأت قلبي، حان الوقت أن أدخل بيتنا من جديد، الأماكن تحمل الذكريات مثل أم عطوف، هنا كان يحلو لأبي أن يجلس؛ بعد كل صلاة كنت أسمع دعاءه، لم أتذكره يوما يغتاب أحدا، أمي مثل الشجرة الطيبة، تقف في شموخ جوار البيت، أنا وإخوتي في مهد يحنو علينا، ترى ما الذي فرقنا؟

 

لا أستطيع تذكر تفاصيل الزمن الفائت، ثمة جرح مايزال ينزف، لم يلتئم رغم مرور تلك الأعوام التي ناهزت الثلاثين عاما: الرحيل! صوب وجهة لم أدر سببا لكل هذا، قيل لي: إن الحياة هناك أفضل!

هكذا بدأت الجذور يصيبها الموات، عاطفتي تشتّت، رياح الخريف ضربت أركان قلبي، تركت ذكرياتي الواهنة هنا، الأقلام والكتب، حقيبة المدرسة، الممحاة، وأدوات الهندسة، ذات الوجه الجميل، ترى أين هي الآن؟ هل ما تزال تتذكرني؟

الأشجار والخضرة، القلوب التي كانت صافية مثل اللبن الذي كانت تحلبه جدتي من ضرع البقرة الصفراء، تركت كل هذا واغتربت، منذ هذا اليوم وأنا أعيش ممزقا، ما أصعب أن تنقسم نفسُك!

 

مضت بي الأيام لم أمسك منها غير خيوط العنكبوت، كل أصدقائي يرحلون، وحدي ألتمس بقاياهم، أعاود فتح صفحات كتبي الصفراء، هنا في هذا البيت كان يحلو السمر، ليالي الشتاء الباردة، كم كان دفء القلوب ينهي تبلد الأطراف!

 

بدا لي أن العمر يستدير مرة ثانية، أحاول جاهدا أن أجد ذلك المفتاح، لقد تركته جدتي هنا، يا لشقاء من يأتي دون أن يعرف أين تختفي الأسرار!

 

شرعت في فتح الأبواب المغلقة، التراب صار مثل تلة معفرة، لا تبين الملامح، الأسرة تآكلت، حتى الألوان على الحوائط صارت باهتة، مثل واجهات المقابر المهجورة، وضعت يدي على وسادتي وجدتها تتقطع تحت يدي، الراحلون أخذوا الأشياء معهم، حتى عبق أنفاسهم لم يعد موجودا، وَهْمٌ تعلقت به ثلاثين عاما؛ أن أجد الفائت من عمري هنا، الساعات تمضي، صرت منعزلا عن العالم الصاخب من حولي، أشبه بمن أتى الكهف، حتى الممرات تداخلت، ربما هذا البيت يسكنه آخرون، أليست الجن تسكن الأماكن الخربة!؟

ولأن الوهم بدأ ينكشف، استعدت لحظتي الحاضرة، لم يعد مقبولا أن أبقى هنا، لم آت لأبكي على الماضي، لقد تشاجرت أنا وهي، المدينة تلك المرأة التي تضع الأصباغ على وجهها كل آونة، عليك أن تبني لنا بيتا هنا، دعك من تلك الخيوط الممزقة، بِعْ هذا البيت، لقد صار شبح قوم اندثروا، بالفعل أتيت لأجل هذا، لكن ما إن خطوت بداخله حتى سمعت صدى صوت أبي، مثلت لي أطياف أهلي، كرهت أن أعيش منزوع الهوية، ما الذي فعلته؟ لا أعلم تفسيرا لهذا؟

 

شرعت في تنظيف البيت، كلما أزلت الركام عادت الذاكرة قوية، لقد وجدت الآنية كما تركتها أمي، الصنبور به الماء، النوافذ جلبت ضوء الشمس، يا لجمال المكان! العصافير وأفراخ اليمام دخلت البيت، لن أرحل مرة ثانية، سأبقى هنا، أوشك الليل أن ينتهي، كفاني تبعثرا في بلاد الله، أريد لجسدي حين يداهمني الموت أن يرقد جوار أبي وأمي، ليس معقولاً أن أدفن في بلاد غريبة!.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...