عيون زوجي!!

كتاب لها
14 - شوال - 1440 هـ| 18 - يونيو - 2019


1

عادت جارتي الحبيبة من زيارة أهلها في مدينتها الساحلية  المجاورة للعاصمة التي نسكنها، بعد أن عانقتني وأخذت جلستها المعتادة نظرت إلي واجمة على غير عادتها.. فغالبا ما تنطلق في حديث كالنهر لا يوقف  انسيابه وتدفقه سوي استفسار مني أو دخول أحد الأبناء أو رنين هاتفها الذي غالبا ما تتلاشاه وتمضي في حكيها بمثابرة ودأب.

بادرتها.. ما بك؟ عيونك تنبئوني أن هنالك أمرا عكر صفو إجازتك، وسألتها عن العائلة صمتت لحظة، وانطلقت قائلة: لا علاقة بما يعتريني بالعائلة.. قلت فبمن إذن؟ قالت دون أي تعليق: ما عدت أدري كيف أرضي هذا الرجل؟  ولما تساءلت من؟ قالت: زوجي  وتابعت وأنفاسها تتصاعد: صار  يعاملني بإهمال ولا مبالاة قلت: كيف ذلك؟ قالت: إذا جالسته،أو حاورته لا يستجيب لي، وإذا تابعته بعيني أتلمس مكان وجوده.. يتحاشى النظر في وجهي، حتى أنني شككت أنه يخبئ  شيئا، وعيونه تبعث على القلق.. جن جنوني!

هدأت من روعها، لكن دونما فائدة.. فبادرتها وهل تعرفين عيون زوجك كلها؟ تعجبت..عيون زوجي كلها؟ قلت: نعم، فللزوج مع زوجته عيون، ولها كذلك معه عيون وعيون.. اتسعت نظراتها المندهشة، فبادرتها.. ترى أي عين تقصدين؟ وبأي عين كنت إليه تنظرين؟ ها هنا المشكلة.

وقبل أن أنهي كلامي إذا بها تعتدل متوجهة إلي كلية قائلة: أوضحي أكثر.. ما تقصدين؟

قلت وأنا أشرح لها  بنظرة من عيني وتجاعيد صوتي حتى أقرب لها الصورة التي أريد: هنالك عين الشفقة، هل تعرفين عين الشفقة؟ قالت: وما عين الشفقة؟ لابد أنها مثل أي عين، قلت:إنها تكون حين يدخل زوجك البيت بعد يوم طويل ومجهد من العمل الشاق، ينظر إليك ليجدك رغم إرهاقك أنت أيضا في عملك تجتهدين على راحة بيتك وأولادك، حينما يلمحك وأنت  تحافظين على كل شيء هادئ ومرتب، وتتفقدين مواضع راحته  فيمد يده إليك بالمساعدة إشفاقا عليك.

 ثم سألتها.. وعين الرضا..أتدرين ما عين الرضا؟ قالت: قولي قولي. قلت: إنها عين حيية تتجسد في وجهه حين تردين الإحسان إليه بإحسان فتشكرينه على هدية أهداكِها، أو صنيع أسديتِه إليه فأغرقته رقة معشرك، وعين الرضا يا حبيبتي عن كل عيب تغمض جفنها فلا تراه، فانظري دائما إليه بعين الرضا، انطلقت بانفعال: لا أستطيع.

 قلت لها: دربي نفسك.. وستعتادين، ثم أردفت: هل تعرفين عين الأسف؟ قالت: ماذا؟ الأسف؟ أقسم لم يعتذر لي زوجي على خطأ أصابه في حقي قط، فقلت لها: ستلمحين عين الأسف تطل إليك وجلة مترددة خجولة حين يخطئ في شيء ما قاصدا أو عن غير عمد، فيهرع إليك وعيناه تبوحان وتنوءان بحمل من الاعتذارات ربما لا يسعفه لسانه أو كلماته لوضعها بين يديك.. فيتلعثم اللسان وتظل العين تبوح بمكنون أسفها الدفين. وحينها لا تطلقي عليه رصاصات لومك،دعيه يشعر أنه أدى ما عليه من واجب الاعتذار ودعي لنفسك فرصة الاستمتاع بنوع من أنواع الحب ولحظة من لحظات إدراك قيمتك عنده.

زمت جارتي الحبيبة شفتيها وبدت ممتعضة قليلا: أنت مثالية جدا.. صدقيني لن يشعر بما أفعل.. قلت: الذكاء ألا تشعريه بما تفعلين، فقط.. اقتربي ببطء ببطء وتخللي مسامه وتمددي داخل حناياه واقطفي ثمار بهائك من علياء أشجار محبته، قالت لي: إذن  هل لك أن تخبريني عن عين الندم؟ قلت:ياااه إنها عين تبكي دون دموع، تقترب وتبتعد، تهم بالاعتذار والبوح وتتقهقر خشية رفضك، وذلك حين يتصرف بما يؤذيك أو بما لا يليق فعله معك، فلا يجد منك سوى العفو وسعة الصدر والتغافل.. فيأتيك وعينه من فيض قلبه كلاهما يذرفان حنينا، يستسمحانك فلا يكون أمامك سوى النزول على الصفح عنه، ولا تنسي أن هنالك أيضا..عين الغضب، تلك  التي تلهب جسدك بسياط العتاب أو العقاب، دون أن تلمسه يد، فتودين  وأنت مخطئة  لو انشقت الأرض وابتلعتك.

وعين الرحمة أتعرفينها؟ إنها تتجسد إذا مرضت لا قدر الله أو أحد أبنائك أو أقربائك، أو إذا وقعت عيناه على منظر مؤسف وأنتما معا، تجدينها  تشع رحمة وعطفا على طفل صغير أو ضعف شيخ كبير.

أما عين الصمود والتحدي فهذه عينه التي لا ينظر بها إلا من أجل مستقبلكما معا، حين يدخل غمار الصعاب يفتتها تفتيتا، ويشق أمواج المتاعب شقا من أجلك، كيما يوفر لك حياة هانئة، سعيدة.. فلا تضعفي من عزيمته ولا تعلميه القسوة والحدة.

ردت صديقتي بعد صمت طويل في عجب: بالله لم أر أي عين من تلك التي وصفت في حديثك الشجن، قلت باسمة: لأنك لم تحاولي أن تنظري إليه بحب، ولم تحاولي تفقد نظراته إلى أي مكان تمضي وفي أي اتجاه تسير، ولتعرفي كل عيون زوجك.. عليك أن تدربيه أولا على أن يمتلكها جميعا؛ عين الرحمة،العفو،الحب،الغضب،عين القدرة والتحدي.

نظرت إلي قائلة بسرعة: عيناك تطل منهما عين المحبة.. والحرص علي وأسرتي تهللت قائلة: الآن فقط.. فقط.. ستطيعين فهم زوجك وقراءة ما بداخله وحينها ستفهمين كل شيء، وسيصبح ذلك الكائن الذي اعتقدتِ ذات لحظة أنه مجرد كتاب غامض صار كتابا مفتوحا.. أسطره تفوح رحمة، محبة، صدقا، حنانا وإصرارا على أن تظلا دائما.. معا.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...