غابتي

أدب وفن » دوحة السرد
11 - ربيع أول - 1440 هـ| 20 - نوفمبر - 2018


1

في أحد الأيام، خرجت صباحاً مرتدياً بردتي في يوم شتوي. وتوغلت في غابة كثيفة بجوار بيتنا. خرجت أول الأمر لقضاء الحاجة. وفي أثناء تجوالي، مددت يدي إلى أغصان شجرة لأستخلص منها زهرة جميلة، ولكني بسرعة البرق وجدتني أقبض يدي، وذلك قبل أن ألمح ببصري حبلاً مديداً له بريق من بين تلك الأغصان.

 

الحبل يكتنفه الغموض لم أتبينه إلا بعد انصرافي. أترى ما هو هذا الحبل!؟ أهو عقد ذهبي!؟ أم سلسلة فضية!؟  أم ماذا!؟ ولماذا انصرفت لا إرادياً عنه، ولم تصله يدي الطويلة!؟

 

لم أقطف الزهرة! ابتعدت مولياً ظهري. الزهرة كانت في متناول اليد!. وغابتي صلتي بها وثيقة منذ كنت صبياً، فيافعا إلى أن بلغت سن الرشد. عقدت صداقة مع كل شجرة. تربيت على ثمارها، فغدت عندي بمثابة الروح للجسد.

 

ليست الغابة جارنا الوحيد، ولا هي فحسب ما ينسب لنا نحن القبيلة. بل إن لنا أرضاً ممتدة. تجتمع فيها كل العناصر الحيوية للحياة. أرضنا صالحة للتكوين الحيواني، والشجري، والنباتي على حد سواء، هي مختلفة التضاريس، وظواهرها الطبيعية لا مثيل لها، تجذب البعيد قبل القريب.

 

أصدقاء الغابة من الجنسين كثر، تجمعني ببعضهم أواصر. والغابة تغذي شعورنا بجمالها، قبل أبداننا بثمارها الطيبة. عطرها الفواح تحمله الرياح في كل اتجاه. وبيوتنا تلك الأكواخ المتواضعة. بيوتنا متناثرة هنا وهناك.  كنت أنحي باللائمة عليها كي تجتمع، وتكون لها قرية لعلها يوماً تستبدل بالأكواخ بيوتا طينية!

 

أصحاب أرضي انصرفوا كلية إلى بهيمة الأنعام، وجعلوها ثروتهم الوحيدة. مع أن في أرضي كنوزا ليس الغريب أولى بها منهم. حتى في الجداول، هنا ثروة سمكية.

 

بعض الأنحاء المجاورة لأرضنا أهلها ضربوا الأمثال في حدود إمكاناتهم،  إذ طوعوا كل شيء لإرادتهم، بدأ من الجراد تجميعاً له وتجفيفاً. إلى صيد السمك واستصلاح الأراضي.

 

هم نظروا نظرة أكثر شمولية، انتفعوا بالأخشاب، والفحم صدروه للمدن والقرى المجاورة، ونحن حظنا من كل ذلك قليل إن لم يكن معدوماً؛ مع أن أرضنا ليست عقيمة.

 

أنا الذي تعودت على قطف كل زهرة تطالها يدي، فلم اليوم بالذات انصرفت عنها متعاليا.!؟ هل في الأمر سرٌّ؟ السر هو الإيحاء الرباني. السر هو قوة خفية في النفس البشرية. السر يكمن وراء الظواهر.

 

عندما أدرت ظهري للزهرة: كان هناك شخص من أقربائي، هذا الشخص رآني عندما أردت اقتطاف الزهرة، وتعجب من عدم وصول يدي إليها. فصرخ بي قائلاً:  انظر إلى الزهرة التي أردت اقتطافها، فإن بجانبها ثعباناً كبيراً، ولو اقتربت منها لكان في ذلك نهايتك، ولم يكد ينهي كلامه حتى أمسكت بتلابيبه!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...