غزة الرائعة.. على قدر حصارك أحبك!!

كتاب لها
19 - محرم - 1429 هـ| 28 - يناير - 2008


1

أذكر في حديث عابر مع إحدى صديقاتي كنا نتناول فيه سلبيات وإيجابيات الكثير من المهن في مجتمعنا العربي، وتحديدا عن الألم الإنساني التي تحمله كل مهنة لصاحبها.

تجربتي جعلتني أصر على أن مهنتنا أكثرهم صعوبة وألما، وواصلت بتلقائية أبرر هذا الاقتناع، قلت لها عندما ذهبت إلى مستشفي الوفاء لتأهيل المعاقين ونحن بصحبة أحد الأطباء دخلنا على غرفة بها ثلاثة شباب بوجوه في منتهي الجمال والريعان، قال لنا الطبيب إنهم  من جرحى الانتفاضة الأولي راقدون على ظهورهم منذ 21 عاما على الأقل  فرصاصة واحدة تسببت في شلل كامل لأجسادهم. أي ألم هذا الذي حملت معي حين خرجت من الغرفة عاجزة عن الحديث إليهم.

 موقف آخر في  مستشفي النصر للأطفال كان الطبيب بحكم حاله أكثر تماسكا وهو يطمئن أبا بحذر عن وجود جرعات كفاية من "الكيماوي" لطفلته المريضة بالسرطان  لكن الوالد يهمس لنا بأن في كل مرة يأتي يكون مرعوبا من عدم حصول طفلته على العلاج وعودتها إلى نقطة الصفر، فخرجت بألم جديد من هذا الموقف وهو ألم لا يقارن بألم أهله.

فلنترك المشافي ومرضها قليلا، ولنذهب إلى بحر غزة.. هناك تركد السفن ومنظر المياه التي تحملها على الميناء يوحي لك بأنها دموع حزن على قلة العمل والرزق، فترى في ضمة الموج لمجموع هذه السفن احتماء واضح من هذا الألم، وإذا تحدثنا عن الإنسان صاحبها، فهذا أبو عميرة صياد أروث  المهنة لمجموع أبنائه لكنه اليوم ورث وإياهم عدم العمل، يقول لي أنه لا يستطع أن يعطي أحفاده المصروف الجيبي الذي اعتاد على توزيعه عليهم كل صباح، وإن أخذوا هذا المصروف فماذا سيشترون به، هل تصدق أنهم يتوقون شوقا للشيبس أو الشكولاتة!

في لجنة زكاة غزة قال لي أبو لؤي وهو رجل يعمل موظفا في قسم الكفالات إن سيدة كويتية اعتادت كفالة 50 يتيما فلسطينيا منذ عدة سنوات وتوقفت الكفالة لأن الحصار يعني تشديد دخول الأموال للقطاع، وحال هؤلاء الأيتام نستطيع أن نتخيله لكن التفاؤل والمحاولات المتعددة التي يحاول أبو لؤي الوصول إليها  قد تخفف الألم عنا...

حتى سائق الأجرة.. هذا الرجل يعطينا حصتنا من الألم عندما يشكو الديون المتراكمة على سيارته أو حيرته في قطعة الغيار المفقودة من السوق، لكنه أفضل حالا من هذا الحداد أبو يزن. أخبرتني زوجته أنها في الأمس أفزعته عندما نزعت عنه  الفراش الشتوي كي تتمكن من النهوض بسرعة والسبب أن طارقا طرق باب البيت يريد أن يساعده بـ20 شيكلا فهو رزق لم يحصل عليه منذ زمن.

حملت الكثير من المقالات المواقف النبيلة لكتابها والشعب العربي الإسلامي في أرجاء المعمورة، وعلى موقعنا "لها أون لاين" كتبت أجملها...

أستاذنا الغريب.. لا يضرك وجود من لا يعرف غزة، ففي ذاتها من لم يتلمس ألمها وهذا من سنن الله العظيم في خلقه، هناك أستاذنا من يري في خروج الفلسطينيين لمصر "همجية جياع"، هل تتخيل حجم هذا المصطلح، ربما هم أغنياء لم يحرموا من الطعام، ومع هذا  أنا لا ألوم الأغنياء فمنهم من لا يمنع يوما ماله عن غزة في حصارها وقبله ومنها من يموت كل دقيقة ألف مرة حزنا ألا يجد ما يقدمه أكثر من الدعاء والمال.

أستاذنا الشويش..المساحة ستبقي رغم كل شيء لهؤلاء عشاق جلد الذات، لكن العبرة بأن تبقى أيضا النفوس الطيبة التي تحمل الهم الإنساني الإسلامي والحمد لله رب العالمين على وجودها في كل مكان..

عزيزتي سلام... أنتم من أعز النعم التي أنعم الله الكريم علينا بها في هذا الحصار، لقد فاق تضامنكم كل التوقعات التي رجحت انشغالكم في معركة الحياة الكبيرة فطغت الروح الأخوية على كل شيء، نحن نضع أنفسنا مكانكم فلا نملك هذا الشعور المرهف الذي حمله لي صوت الزميلة رانيا ولا نملك هذا الشعور النبيل من القاهرة والرياض وعمان الذي حمل معه كل شيء...

وأقول لكم: إن غزة رائعة بحصارها... فأي جمال هذا يا غزة الذي أراه فيك رغم كل آلامك؟ أنا أجيب.. جمال البلاء والصبر عليه.. جمال بأن الدنيا لا تستحق شيئا وأنها زائلة بأسرع ما تزول عنا الكهرباء وسط الفرحة الصغيرة بعودتها.. وبأصعب ما تزول به الروح المريضة التي لم تجد علاجا فيك يا غزة.. جمال يذكرني بهذا الرجل التركي الذي ادخر كل شيء من أجل بناء مسجد وكان يجيب نفسه التي تشتهي أصناف الفاكهة والمأكولات "كأني أكلت"، وأنا أقول لنفسي ولأهل غزة:"في الجنة..الراحة كلها دون حصار، لكن للذكرى.. أحسنوا الصبر وأجملوه.. واشكروا الكريم الذي أظهر في كافة تفاصيل حياتكم حقارة الدنيا وكدها الكبير.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
-- نجود -

20 - محرم - 1429 هـ| 29 - يناير - 2008




اللهم أنصر شعب غزة، اللهم فرج كربهم وانصرهم على عدوهم وتقبل شهداؤهم
اللهم آمين

-- سوسو -

20 - محرم - 1429 هـ| 29 - يناير - 2008




أختي مرفت ياليتنا كنا معكم في غزة لنصل لهذه المتعة التي تتحدثين عنها متعة الصبر
متعكم الله بها أختي الغالية ونصركم الكريم العليم
قلوبنا معكم بل كل نبضة من قلوبنا معكم

-- سلام الشرابي -

20 - محرم - 1429 هـ| 29 - يناير - 2008




مبدعة أنت.. بقلمك، بمشاعرك، بالمسؤولية والهم الذي تحملينه من قلب فلسطين الغالية على قلوبنا.
من نبض الشارع تتحدثين عن أناس نحتاج لنُعرف تفاصيل حياتهم الأليمة للناس، ليعلم من هم في سباتهم ماذا يحدث في غزة الحبيبة
عمق الألم وعمق الجرح.. على أرض فلسطين..
وسطحية التفكير والفعل في مواقع أخرى من هذا العالم البعيد عن أرض الرباط.
سلم قلمك.. وسلمت أناملك.. وحفظك الله وشعبك ونصركم إنه على كل شيء قدير

-- صابر - مصر

20 - محرم - 1429 هـ| 29 - يناير - 2008




في مقالك رأيت الهول.. رأيت الجنة.. رأيت الصحابة الذين نقرأ عنهم.. رأيتهم أهل غزة وأهل فلسطين.. هنيئا لكم. نعم هنيئا لكم فاختياركم في أكناف بيت المقدس لم يكن إلا اصطفاء، وأنتم تقومون عن كل المسلمين بواجبهم في حماية مقدساتنا والحفاظ على ملامحنا وهويتنا الإسلامية في مواجهة هجمة استئصالية.حفظكم الله جميعا ياأهلناالمرابطين

-- أم يوسف - السعودية

20 - محرم - 1429 هـ| 29 - يناير - 2008




جزاك الله خيرا غزة الهاشم الأبية ياأختنا نساءها هم والله الرجال نساءها خرجن ليحطمن الحصار فلم تتحرك قلوب البعض وأؤكد العض لم تتحرك قلوبهم ولكن على مثل هؤلاء القاسية قلبهم لانأسف فالنصر مع الصبر بإذن الله

-- ام محمد - فلسطين

05 - صفر - 1429 هـ| 13 - فبراير - 2008




الحمد لله رب العالمين أني وجدت من يواسيني في غزةو يشحذ همم الكثيرين الذين يشكون الالم و الحصار وو بارك الله في كل من تضامن معنا و لو بقلبه لأنه أغلى تضامن من وجهة نظري و الله يعوضنا خيرا من غزة

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...