فوائد من رحلة الحج (1)..

كتاب لها
25 - ذو القعدة - 1440 هـ| 28 - يوليو - 2019


1

كتبت بعض هذه السطور والخواطر وأنا مازلت في الحج، فقد كتب الله لي ولزوجتي الحج هذا العام 1431هـ ضمن حملة من الحملات، كتبتها بدماء قلبي، ودموع عيني لتصل إلى القلب، فيبصر الطريق.

 وبعد الانتهاء من أداء مناسك الحج تم ترتيب هذه السطور والخواطر.

فالحج مدرسة، والحج كنز دعوي، والحج رحلة عظيمة يحلو فيها التعب، بل تتلاشى المشقة فلا تشعر بها لحلاوة العبادة. قال ابن القيم رحمه الله: "السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف والمشاق فصارت قرة عين له وقوة ولذة".

إله واحد لا شريك له

ترفع الملايين صوتها بالتلبية لله، معلنة أنه لا شريك له "لبيك اللهم لبيك،  لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وهذا الإعلان لله الواحد القهار فليس هناك إله في الحج وإله بعد الحج، بل هو إله واحد لا شريك له.. ولهذا يبقى النداء، ويبقى الإفراد لله بالعبادة طول حياة الإنسان، والبعد عن الشرك بكافة أشكاله وألوانه وصوره.

العودة إلى الإسلام

ملايين من البشر، متلهفون لرؤية المشاعر، ولأداء فريضة الحج، يحدوهم الشوق والرغبة في رؤية هذه الأماكن المقدسة، وكل قد جاء بعقليته وفهمه وتطبيقه للإسلام، وربما يكون على خطأ، ولكن هكذا تعلم الإسلام وفهمه، فلا يمكن تقويمه وتصحيحه في يوم أو يومين، أو خلال كلمة عابرة أو محاضرة بعد الصلاة، بل لابد من المتابعة  بعد الانتهاء من مناسك الحج ورفع درجة الوعي العبادي، ابتداء من الإخلاص لله في أدائها، وانتهاء بتطبيقها على الوجه الذي يرضاه رب العالمين.

 ورفع درجة الوعي الحضاري للإسلام، فالإسلام هو دين البناء والنظافة والنظام والانضباط والتهذيب والسلوك.

إن هذه الملايين التي جاءت من كل فج عميق تبشر بالإسلام وبعودته إلى الوجود بقوة، وهنا دور كبير على العلماء والدعاة لتربية هذا الجيل، ومنح هذه العودة حقها من التربية والتعليم وفق التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان.

الصبر

وما أدراك ما الصبر؟ والحج من أوله إلى أخره "صبر جميل " فالحج ليس رحلة رفاهية، أو رحلة سياحية مثالية، بل الحج صورة مصغرة عن الحياة، ومشاكل الحياة لا تنتهي.

     صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أفعال العباد التي تجعل الحليم أحيانا حيرانا، صبر على تأخر الحافلات، وازدحام الطريق والسير كالسلحفاة، وصبر على المشي لأوقات طويلة، وصبر على تأخر بعض الأفراد لتلتحق بالمجموعة الواحدة، وصبر على كافة الضغوطات التي تعترض طريقك، وعقبات الطريق التي لم تحسب لها حسبان، تفاجئك فلا تملك سوى تجرع الصبر.

ولكن هذا الصبر لا يتوقف عند الانتهاء من مناسك الحج، بل يجب أن يبقى في النفس موصولا، فيرتديه الإنسان في كل أحواله.

القناعة 

دائما ما نتعلم ونسمع أن القناعة كنز، ولكن القليل من يتعلم ومن يطبق، لأنها ليست نابعة من القلب، ولم يستشعر بها المرء، ولكن القناعة التي يتعلمها الإنسان من الحج فهي قناعة لا ينساها أبدا لو استشعر بها حقا، فهو والملايين من البشر سواء، في المأكل والمنام، والمكان والزمان، والمشي، ومهما ركب في السيارة فلن توصله إلا لمسافة بعيدة عن الحرم أقل ما فيها كيلو متر، ويلتفت من حوله فيرضى بالسير وتمضية الأيام والليالي بما وجد، فالحياة الحقة هي حياة الروح وليست حياة الجسم.

فن التعامل مع الأخر:

الناس في الحج سواسية، هدفهم واحد، ونداؤهم واحد، ووجهتهم واحدة، وكذلك تعاملهم واحد.  السلام والحب والتعاون والنقاء، والحلم والتسامح، فتتلاشى الألقاب، وتسير بجوار أخيك الحاج لا تعرف من هو، ولا من أي بلد ولا اسمه ولا عمله ودرجته العلمية، ومع هذا تبتسم في وجه، وتمد له يد العون، وتزرع الحب في قلبه وتبذر الخير أمامه، وتقدم له ما يشربه، أو يأكله من غير سؤال، وتبارك له في حجه، وتُعيِّد عليه في العيد، وتنظر إليه فإذا هو إنسان مثلك فهم الحياة على أنها قصيرة، لا وقت للجدال، ولا للرفث ولا لكلام الفاحش، و إنما قيام بالحقوق والواجبات وتنفيذ لتعاليم الرسول الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حقُّ المسلمِ على المسلمِ خمسٌ: ردُّ السلامٍ، وعيادةُ المريضِ، واتباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدعوةِ، وتشميتُ العاطسِ". متفق عليه، وفي رواية لمسلم: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاكَ فأجبْهُ، وإذا استنصَحَكَ فانْصَحْ له، وإذا عطس فحَمِدَ اللهَ فشمِّتْهُ، وإذا مرِضَ فعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبعه".

ويطبقون "خير الناس أنفعهم للناس" وكل هذا لله، لا لجاه ولا لمكانة، ولطلب واسطة لوظيفة ما، و لا لشهوة ورغبة تريد خطفها، وإنما تبتسم لله وتعطي لله وتبذل لله، وتحاول أن تكون إنسانا جديدا.

وحتى لا أطيل عليكم أستكمل في الحلقة القادمة بعون الله.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...