في انتظار الفجر الآتي

أدب وفن » دوحة السرد
12 - ذو القعدة - 1439 هـ| 25 - يوليو - 2018


1

سار الركب تحت جنح الظلام, رجلان تتأخر عنهما امرأة, حتى وقفوا على قيِّم مسجد, انتهى لتوه من كنس فنائه كما يبدو, وقفا وسلما, رد عليهما السلام، وأخذ ينظر إليهما في ريبة. تقدم منه أحد الرجلين وقال في صيغة لا تخلو من تهكم خفي:

- هل لك في الزواج يا أخا العرب؟

دهش الرجل من عرض كهذا، يعرض على قيِّم مسجد آخر الليل، ورجل مثله لا يكاد يجد قوت يومه.

قال: الزواج؟ أنا؟ ممن؟

أشار الرجل إلى المرأة خلفه دون أن يلتفت إليها، وقال: مِنْ هذه!؟

حانت من القيِّم التفاتة إلى المرأة, خيل إليه أنه قرأ في عينيها في لحظة مأساة عمر.

أجاب: ليس أحب إليّ من ذلك, ولكن..

قال الرجل الآخر: لا تكثر الأسئلة.

وعاد الأول يقول: هي زوجتك منذ اللحظة, ودفع بها إليه, ثم مضى الرجلان في صمت, وتركا القيِّم والمرأة، وعشرات الأسئلة تتخاطر في ذهنه.

قال القيِّم للمرأة: تفضلي وادخلي المسجد, أحسبك قادمة من سفر بعيد, وتحتاجين بعض الراحة. لملمت المرأة أطراف ثوبها، وتلثمت ببعض خمارها, وأومأت برأسها, ونظرت إليه في توجس, قال لها مطمئنا: أنت في بيت من بيوت الله، ومن دخل المسجد فهو آمن فلا تخافي.

بقيت المرأة على صمتها, أضاف: وأشهد الله تعالى ألا ينالك مني ما تكرهين, سري عن المرأة بعض ما تجد من وحشة, ودعت له بخير. دخلت المسجد وجلست في ناحية منه, واتخذ هذا الرجل الذي أصبح زوجها على حين غرة؛ اتخذ مجلسه على مسافة متوسطة منها, لم يشأ أن يثير خوفها بقربه أو وحشتها ببعده, ثم بادرها بالسؤال:

ـ ما شأنك أيتها المرأة؟

قالت: وما يهمك من أمري؟

ابتسم في تودد قائلا: ألست زوجتي؟

افتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة وقالت: زوجتك؟! وأي زواج هذا الذي ليس فيه لي خيرة! ولم يحضره وليٌّ ولا شهود؟ أنت مسكين!وأضافت محاولة استنهاض شهامته:  وإن كنت كما يبدو لي على خلق كريم.

نظر إليها على ضوء المصباح: في عينيها دمعتان, تأبى أن تترك لهما العنان, كأنما تصوران بقية شموخ في زمن انكسار, هي جميلة, تظلل وجهها غلالة من أسى دفين تزيدها جمالاً وجاذبية.

قال وهو يحاول تبديد وحشتها والوقوف على قصتها: أنا فرج يا سيدتي, فما اسمك أنت؟ ضحكت بصوت مسموع هذه المرة وقالت: فرج؟ قد كنت أنتظر الفرج دهرا!

قال: تضحكين مني يا سيدتي؟ ألا تظنين أني قد أكون لك الفرج؟ التفتت إليه, رجل مسكين لا مأوى له سوى المسجد, يعمل فيه ويبيت, عليه ملابس رثة.

قال وقد أدرك ما يجول في خاطرها, قد سمعت إمام المسجد اليوم يحدث: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : "رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ"(رواه مسلم).

قالت: وتزعم أنك ذلك الرجل؟

قال: أردت أن أقول: إن الأمر قد لا يكون على ما تراه عيناك, ثم ألم تقل العرب:

ترى الرجل الطرير فتزدريه، وفي أثوابه الأسد الهصور.

قالت: حتى وإن كنت الأسد! فالذئب بغدره، والثعلب بمكره قد يتغلبان على الأسد. قالت ذلك، وأتبعت بصرها الدرب الموحش الذي غاب في آخره آنفا رفيقاها.

قال: في صوتك رنة حزن مخبوء، بل إني أكاد أرى الدموع تتقاطر منه. زفرت المرأة زفرة خيل إليه أن نفسها ستخرج معها.

قال فرج: هوني عليك، فما بعد العسر إلا اليسر, انظري إلى هذه النجوم تزين السماء وتنيرها.

قالت: هي تجمل الليل, لكنها لا تزيل الظلمة الموحشة.

قال: هي كالآمال الصغيرة, تقوي قدرة الإنسان على تحمل نوائب الدهر, ردت في يأس: قد كنت أحلم بأمل كبير يقلب حياتي كلها.

قال وقد تهلل وجهه: هو الفجر ينبلج، إذا احلولك الليل واشتد ظلامه.

قالت: إذا كان الأمر كذلك, فلا بد أن الفرج قريب، فقد اشتد عليِّ الكرب حتى بلغ غايته.

قال: فما غايته هذه؟

قالت: وهل أكثر مما أنا فيه, امرأة حسيبة نسيبة, تذلها الأيام، فتضطرها إلى ما ترى,يغضب زوجها عليها في هنةٍ فيطلقها الثالثة, حتى إذا انتهت عدتها، وهي في دارغربة وبينها وبين أهلها وعشيرتها بعد المشرقين, يأتي بها فيعرضها على رجل مسكين يتزوجها الليلة، ثم يكرهه على تطليقها من الغد، فتحل له بعد أن بانت منه.

قال فرج: هكذا إذن!؟ يريدني زوجك أن أكون التيس المستعار! وأضاف في إباء: لست بصاحبه, لست بصاحبه.

قالت: إن لك منطقاً وحكمة، وإن وراء أطمارك هذه لشهامة ومروءة, فما الذي صيرك إلى ما أنت فيه؟

قال: هي صروف الدهر يا سيدتي, لكني ألمح خيراً قادماً مع الفجر بإذن الله.

تساقطت دموعها: أما أنا فعند الفجر تتجدد مأساتي.

قال يحاول التسرية عنها: ألم تذكري حلماً كبيراً منذ برهة؟

قالت: لقد كان, لكنه الآن يحتضر, ويوشك أن يدفن تحت آلام كبار.

قال: الأحلام لا تموت يا سيدتي, تظل جمرا تحت الرماد، يبدو حينا ويخبو, إنها تعيش وتتغذى من بعض آلامنا, فتكبر هذه كلما كبرت تلك.

سرحت ببصرها بعيداً، ولم تقل شيئاً.

قال: ولكن ألا تحدثيني عن قصتك مع زوجك هذا؟ لا أظنك معه إلا كسهيل والثريا.

وقالت: "عمرك الله كيف يلتقيان!؟"

قال: بل ليت شعري كيف يفترقان!؟ ليت شعري كيف يفترقان!؟ وأضاف: منذ متى وأنت زوجته؟

قالت: مرت بي معه سبع عجاف, ذقت فيها ألواناً من الأذى والمهانة, وصبرت واحتسبت لعل الله أن يجعل لي مخرجاً.

قال: أبشري, فما بعد السبع العجاف إلا الغيث.

أخذت تردد: الغيث, الغيث! كم صلّى قلبي الاستسقاء! وكمِ اسْتجدت روحي غيمات السماء! لكن السماء أبت، والأرض أجدبت.

قال: ألا أصلح أن أكون غيثاً يروي أرضك، فيعيد الحياة إلى وردة قطفتها يد لا تحسن القطاف، ثم ألقت بها على الطريق؟

قالت: قد تكون على فقرك وأطمارك أفضل منه في جاهه وماله, لكن ما الفائدة؟ اقترب الفجر, سيأتي مع أعوانه وخدمه, فيأخذني بعد أن يضطرك إلى طلاقي, ويرحل بي, وينطفئ وميض البرق ويعود الظلام.

قال في ثقة: توكلي على الله يا سيدتي.

توافد الناس على المسجد لأداء صلاة الفجر, وما أن أشرقت شمس ذلك اليوم، حتى جاء التاجر الكبير وصاح بامرأته, خرج إليه فرج قائلاً في جرأة وثبات: لا شأن لك بزوجتي فامض راشداً. قهقه التاجر ضاحكا: زوجتك؟ لقد انتهت الرواية يا مسكين, ستطلقها الآن. نظر فرج إلى المرأة وقد بلغ الخوف منها مبلغه وقال في ثبات: فإن أبيت؟

أشار التاجر إلى بعض أعوانه، فأحاطوا بفرج في لحظات, وأخذ التاجر يقهقه قائلاً وهو ينظر بازدراء إلى أطماره البالية: ماذا قلت الآن؟

وسط دهشة الجميع, صاح فرج قائلاً: أيها الحرس, فإذا بعدد غير قليل من الجند يتواثبون في سرعة يلبون النداء: أمر مولاي! أمر مولاي!.

تراجع التاجر، وتراجع أعوانه، وهم يتساءلون في استغراب: من الرجل؟!!

 

نزع الرجل لثامه وأطماره، وتناول رداءه وعمامته من بعض حرسه, أسقط في يد التاجر، ومضى ورفاقه لا يلوون على شيء, وما أن ابتعدوا حتى سألوا الحرس عن الرجل، فأخبروهم أنه والي المدينة، وقد خرج الليلة متخفياً يتفقد شؤون الناس.

أما المرأة فلم تكد تصدق ما يحدث, وما هي إلا هـُنيهة حتى ناداها الوالي باسطاً كفه إليها، وهو يقول في تلطف: هل تأذنين؟

قالت في نشوة: وهل يستأذن الغيث؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...