في بيتك مبدع صغير !!

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
12 - رمضان - 1424 هـ| 07 - نوفمبر - 2003


في بيتك مبدع صغير !!

 د. عبير زهير

     

رأيت أطفالاً حولهم عدد وفير من اللعب يبكون بحرقة في تعاسة ، لا يعرفون ماذا يعملون بهذه اللعب ، ولا يستطيعون استخدام عقولهم و خيالهم للحصول على السعادة مع ألعابهم ، وفي المقابل رأيت أطفالاً في غاية الرضا و هم يلعبون بقطعة واحدة من الخشب ، يستعملونها مرة قطار و مرة يطلقونها في الهواء مقلدين الطائرة . فما ذلك الشيء الذي يجعل طفلاً غير سعيد بالرغم من كل هذه المميزات الواضحة ، وطفلاً آخر راضياً سعيدا بأقل القليل !!

   

أن سعادة الطفل كما يبدو لا تعتمد على مؤثرات خارجية ، بل تعتمد اعتمادا كليا على البيئة التي ينمو فيها ، وخاصة على فهم والديه لحاجاته ، فالحب وحده لا يكفي و خاصة إن كان حباً أعمى ، ويجب أن نعرف أنه لا يكون دائماً من مصلحة الطفل إزالة جميع العقبات التي تعترضه ، و جعل الطريق أمامه سهلا فإن إعطاءه كل ما يريد قد يعني في معظم الأحيان حرمانه من التمني و هو عنصر هام يبعث على الارتياد والاكتشاف .

 

 و يجب أن نتذكر أن تحقيق رغبات الطفل (( الخارجية )) لا يرتبط دائما بإرضاء حاجاته (( الداخلية )) فالطفل قد يكون عصبيا ً قلقاً لا يستطيع أن يشغل نفسه أي فترة من الزمن ، فإذا ما عرف أحد الوالدين هذا النقص فيه فإنه قد يحاول ما أمكنه أن يهيئ لطفله من التنويع والتغيير ما يجعله يتجنب النشيج المستمر و لو لفترة بسيطة على الأقل ، إلا أن مثل هذا الطفل لا يحتاج إلى التغيير أو إلى مزيد من اللعب قدر احتياجه إلى مزيد من الحب والفهم لخبراته الواسعة المدى التي يستطيع القيام بها ، والتي أهملت في ماضيه فينتج عن ذلك نوع من الكبت لديه فإذا أعطينا هذا الطفل مزيد من اللعب فإننا نزيد من قلقه ، فقد يهتم بلعبة جديدة لجدتها و لكن قد لا يسعفه خياله باستعمالها بطرق مختلفة أو تشكيلها بأشكال متنوعة ، فتتلاشى جدة اللعبة سريعا دون أن نكون قد أشبعنا في الطفل حاجاته الداخلية.

 

 لقد زادت نسبة الأمراض العاطفية والعقلية بشكل مخيف و أفضل طريقة للوقاية منها هو التعرف المبكر لحاجات الطفل الخاصة ، الذي يحدث هو أننا نهتم بمعرفة حاجاته الجسمية ونهمل حاجاته العاطفية والعقلية إهمالاً شنيعاً وكما أن نمو الطفل الجسمي و صحته من الأمور الهامة جداً ، فهنالك أمر لا تقل أهمية لسعادته كمواطن في المستقبل فالطريقة التي يستخدم الطفل بها عقله و يديه ، و درجة استجابته لما يراه و ما يسمعه و ما يشعر به و مدى رغبته في زيادة اتصاله بالآخرين ، كل هذا له علاقة بسعادته .

 

·    ماذا يعني الفن بالنسبة لطفلك ؟

إن كل شيء في نظامنا التربوي يتجه نحو التعليم الذي في كثير من الأحوال اكتساب المعرفة ، ومع ذلك فنحن نعرف جيدا أن المعرفة وحدها لا تجعل الناس سعداء ، فالتربية ذات الجانب الواحد التي تهتم بالمعرفة فقط وتهمل صفات كثيرة هامة جداً يحتاج إليها أطفالنا حتى يستطيعوا أن يكيفوا أنفسهم مع هذا العالم .

 

فالفن للطفل الذي تعلمه في السنوات الأولى قد يعني الفرق بين فرد سعيد متجاوب ، وبين آخر غير متوازن يجد كثيراً من الصعاب في علاقاته مع بيئته بالرغم من كل ما تفعله لإسعاده ، قد يكون الفن للطفل هو التوازن الضروري لعقليته وعواطفه ، وقد بصبح الصديق الذي يتجه إليه ، حتى بطريقة لا شعورية ، كلما صادف ما يتعبه ، و الذي يلجأ إليه عندما لا يستطيع الكلمات أن تسعفه .

 

·    لماذا كان من المهم أن يبتكر طفلك ؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال مباشرة دون أن نضع أنفسنا مكان الطفل .. فلنتخيل أنفسنا مكان " الطفل " و ننظر ٍإلى الأشياء بعينه ونكشف فعلاً ما يجري في عقله وهو منصرف إلى التصوير بالألوان .

 

أول خطوة يبدأ بها هي أن يفكر في " شيء ما " و كثيراً ما يبدو لنا هذا الشيء تافها لا قيمة له لكنه بالنسبة للطفل يعني دائما مواجهة لذاته و خبرته ، وعندما يفكر فإنه يركز أفكاره على الخبرة التي يصورها , وهذا جزء هام في الخطوة الأولى للنشاط الابتكاري .

 

مثلاً عندما يصور طفل منظراً يمثل حديقته الخلفية فإنه يصف ما يعتبره ذا دلالة أو أهمية بالنسبة له ، و ربما كانت الأرجوحة مثلاً هي أول ما يخطر بباله ، فهو يحب أن يتأرجح عليها ، و لكن هناك أيضاً طفلا لا يحبه لأنه دائما يضايقه ، لذلك فهو يعبر عن كراهيته له في رسمه عن طريق ما يحبه من الألوان و ما لا يحبه ، لأنه لا يستطيع أن يظهر كراهيته له علانية لأنه أقوى منه ، و لكنه يستطيع ذلك في رسمه . وهو بالواقع يستطيع أثناء رسمه بالألوان أن يعبر عن مشاعر كثيرة لا يستطيع أن يعبر عنها بطريقة أخرى ، و يشعر بعد ذلك بالراحة التي نشعر بها بعد أن نناقش موضوعاً هاماً وندرسه مع صديق نقدره .

 

أما الطفل الأخر فقد كان شديد التوتر ، لا يحب أن يتكلم ولا يحب أن يرسم ، لأن والديه كانا يكرهان كل ما يرسمه ، وكان يخاف أن ينفرد بنفسه في حجرة وخصوصاً عند الليل قبل أن ينام واستمرت هذه الحالة فترة طويلة حتى استطاع في يوم أن يواجه مشكلته بمساعدة مدرس استطاع أن يفهمه ، وذلك عندما رسم صورة بالألوان أوضحت أسباب قلقه فأراحه ذلك نفسياً ، و كانت هذه العملية تدريجية لم تحدث إلا بعد أن شعر بالثقة في طريقته الخاصة في التعبير واستطاع بذلك أن يواجه صعوبته.

 

وكان السبب فيما حدث للطفل أنه كان منذ فترة مضت قد رأى في إحدى الليالي قبل أن ينام شيئاً يتحرك في حجرته متجهاً نحوه ، فاعتقد أن هناك شخصاً في الحجرة ولكنه لم يشأ أن يتحرك ، ولكن ما حدث تلك الليلة حدث بعدها عدة مرات بواسطة ظل سببه ضوء مصباح متحرك في الطريق فازداد توتره ، وطغى عليه القلق ولم يعرف أحد سر هذا حتى شجعه مدرسه على أن يرسم ويلون بحرية كاملة ، ولم يفده هذا في حالته فقط ، بل إنه أمده بمرونة كان في أشد الحاجة إليها ، ليستطيع مواجهة خبراته الخاصة في عمله الابتكاري ،و قد حدث هذا تلقائياً ، فعندما استطاع أن يواجه خبراته أخذ قلقه يتضاءل رويداً رويداً حتى تلاشى .

 

فإذا ما سألت نفسك الآن : لماذا كان من المهم أن يبتكر طفلك  ؟ ...  لوجدت أن الإجابة عن ذلك أنه سيكون سعيداً وحراً ، و لن يكون متوتراً و مكبوتاً وسينمي تفكيره وإحساسه بنفسه وبيئته .

 

·    لا تتدخلي !

أن أعظم ما يمكن أن يسهم به جو المنزل في فن الأطفال هو ألا نتدخل في نموهم الطبيعي ، فمعظم الأطفال يعبرون عن أنفسهم بحرية و بطريقة أبتكارية إذا لم يتدخل الكبار في فنهم وكبتوا نموهم في هذه الناحية .

 

فالطفل الذي ينكث بالقلم " يشخبط " في سن الثالثة مثلا يكون سعيد جدا أثناء ذلك ، وأبوه وأمه اللذان لا يدريان شيئاَ عن حاجة الطفل لضبط حركاته بمجرد التمرن على هذه العملية قد يسألانه : ماذا ترسم ؟ ... ولما كان الطفل لا يهدف بعمله إلا التمتع بالحصول على قسط أكبر من ضبط حركاته فربما لا يفهم سؤال أبويه ، ولذلك فإنه قد لا يستجيب ، وربما استمر الأب المحب للاستطلاع الذي لا يدرك معنى هذا النكث بالقلم ويتابع أسئلته فيقول : ألا تستطيع أن ترسم تفاحة ؟!

 

و هو لا يدرك أن الطفل في سن الثالثة لا يفكر عن طريق الصور ، لأن التفاحة بالنسبة له شيء يؤكل أو يمسك بين يديه وليست شيئا يرسم ، فرسم التفاحة لا يزال غير مفهوم لهذا الطفل ، مع ذلك فمادام حب استطلاعه قد أثير فإنه قد يطلب إلى أبيه أن يرسمها هو ، وقد يرسم الأب تفاحة له و يدفعه إلى ذلك رغبته في مساعدته ، فيبدأ الطفل ، رغبة منه في إرضاء أبيه برسم تفاحات و يكف عن النكث بالقلم..

 

أننا قد تدخلنا ، بالرغم من دوافعنا الطيبة في حاجات الطفل ليعبر عن نفسه و نستطيع أن نفهم أضرار التدخل إذا فهمنا أهمية النشاط المبتكر بالنسبة للطفل ، كما في المثال السابق ، فلقد كان الطفل على وشك أن يكتشف أن هناك علاقة بين حركة ذراعيه و بين الخطوط التي كان ينكثها ، ولقد تدخلنا أيضا فيما اكتشفه الطفل معتمداً على نفسه ، وفي الثقة التي اكتسبها من قيامه بتلك الأعمال مستقلاً عن الآخرين ، و الاعتداد بالنفس الذي نشأ عن قدرته على السيطرة على ما يرسم من خطوط ، هي خبرة هامة ليس لنا الحق في أن نحرمه منها فربما تدمر ثقته بنفسه بالنسبة للأعمال الأخرى .

 

ولقد قاطعنا طريقته التجريبية المرنة نحو نكثه بالقلم ووجهناه نحو تكرار جاف ممل ومنعناه بذلك من أن يكتشف بنفسه مواقف جديدة يكيف لها نفسه باستمرار ، وربما لا يتمكن عندما ينمو من استخدام نشاط ابتكاري .

 

·    هل يجب ٍأن أمدح دائماً فن طفلي ؟

قد يكون من المضلل أن نظن أن كل ما يفعله الطفل يجب أن يمدح ، فيجب ألا نمدحه لفنه إلا إذا كان يستحق هذا المديح فالمديح في غير موضعه قد يبطل أثره عندما نحتاج إليه في الوقت الذي ربما تعتمد عليه ثقة الطفل بنفسه ، فإذا مدحنا الطفل لرسمه وكان هو يعرف أنه لم يركز اهتمامه على عمله ، و أن رسمه لا يعني كثيراً بالنسبة له فإننا ندمر ثقته فينا .

 

ولكن كيف نبتعد عن استعمال المديح الكاذب ؟

يقول الخبراء : إن أبسط طريقة هي ألا تمدح طفلاً إلا إذا كان عمله الابتكاري واضحاً وهناك طريقة لتأكيد هذه الحقيقة : اندفاع الطفل التلقائي ، فهو أوضح دليل على عمله الابتكاري فإذا قال الطفل : " انظري يا أمي إلى هذه الشمس التي تشرق" فإنه قطعا يستحق المديح .

 

·    هل يجب على أن أنقد طفلي ؟

إن ما قيل عن المديح ينطبق تماماً بل وأكثر على النقد ، فالنقد غير المناسب أكثر ضررا من المديح غير المناسب ، ولما كان النقد يعتمد على ذوقنا نحن الكبار فلن يناسب حاجات الطفل ، و مع ذلك فليس معناه أنه يجب أن نتجنب النقد كلية ، فالنقد المناسب ينبغي أن يساعد الطفل ليجد نفسه في فنه و من الخطأ أن ننتقد طريقته في تعبيره الفني ، و من الأخطاء الشائعة البحث عن الحقيقة في رسوم أطفالنا ، فنوع الحقيقة مختلف تماماً ، فالحقيقة في مظهرها قد لا تجعلها حقيقة بالنسبة لمشاعرنا و عواطفنا .

 

وهناك عامل آخر مهم يجب أن تذكريه قبل أن تنتقدي طفلك وهو أنه يجب أن تتجنبي نقده بعد أن ينتهي عمله ؛ فأعظم النقد أثراً هو المساعدة التي يمكن أن تقدميها لطفلك أثناء قيامه بالعمل .

 



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أ. ياسر بن أحمد الشجار - السعودية

21 - ذو القعدة - 1426 هـ| 22 - ديسمبر - 2005




بسم الله الرحمن الرحيم
حقيقة أسعدني مقال د/عبير كثيرا وأنا أعتبر نفسي معها ومؤيد للتي تقوله بتجربتي مع طلابي أولا ومع أبناء أسرتي ثانيا فالطفل الصغير يحتاج فعلا للحنان والحب والرعاية والاهتمام به ويهتم بالأمور المعنويةأكثر بكثير من الأمور المادية وخاصة في مواقف المساعدة والتوجيه والارشاد دون التدخل في طريقة تفكيره لأن ايحاء الطفل في بداية سنوات حياته مختلفة جدا عن ايحاءات الكبير لأن الطفل حديث عهد بدنيا فله تتصورات قد لاتطرأ على بال الكبير وذهنه ولابدلنا كمربين ان نحترم هذه التصورات والايحاءات المختلفة حتى نتمكن من ولادة جيل مبدع بحق وتصوروا معي اننا لو وجهنا أطفالنا وأجيالنا القادمة بطريقتنا لوجدنا اننا نصنع جيلا يعتبر نسخة أخرى لنا وهذه الطريقة تعتبر سلبية جدا فنحن نسعى للتغير والتطوير وليس للإستنساخ المطابق وعلى ذلك فيتطلب منا كأولياء أمور ومربين أن نقترب كثيرا من روح الطفل وعواطفه ونحاول اشباعه عاطفيا حتى يستطيع ان يتطلع للأفضل الأجود دائما فالطفل بفطرته يقظ منتبه لكثير من التصرفات حوله مغتنم للفرص المتاحة عنده عنده فضول المعرفة والاكتشاف
وفق الله الجميع لتربية صالحة نافعة.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...