في بيتنا مدمن

عالم الأسرة
13 - صفر - 1425 هـ| 04 - ابريل - 2004


في بيتنا مدمن

إعداد: هدى السيد

إدمان المخدرات أخطبوط يهدد كل جميل في حياتنا: براءة الأطفال وحيوية المراهقين وإقدام الشباب وعطاء الكبار.. إنه قطار للموت يهدد الأسرة والمجتمع..

يقول الدكتور "رشاد أحمد عبد اللطيف ـ عميد كلية الخدمة الاجتماعية جامعة حلوان ـ: الإدمان هو حالة تسمم مزمنة ناتجة عن الاستعمال المتكرر للمخدر وعدم القدرة على الاستغناء عنه، وهو يختلف عن  تعاطي المخدرات أي استخدام أي عقار مخدر بأية صورة من الصور للحصول على تأثير نفسي أو عقلي معين، وعلى ذلك فقد يكون المتعاطي مدمنا وقد لا يكون كذلك, وكما أن بعض أنواع المخدرات تؤدي بالتعاطي إلى الإدمان والبعض الأخر لا يؤدي به إلى ذلك.

يوضح  الدكتور "حمدي ياسين" ـ أستاذ علم النفس الاجتماعي والصحة النفسية ومدير مركز الإمكانات البشرية جامعة عين شمس ـ أن المفهوم العلمي السيكولوجي الحديث لتعاطي المخدرات هو الاعتياد؛ لأنه جسم الإنسان يصبح معتادا على وجود عقار المخدر والذي من خلاله تنشط وظائف الجسم, وإذا استغنى عنه يشعر بالخلل في كل جزء من جسده.

والعجب في ذلك أن الله عز وجل قد خلق فينا كل العناصر الخارجية الموجودة في الطبيعة فيوجد بداخلنا الحديد الفوسفات, الكبريت, وغيرها، ومن ضمنها أيضا نسبة معينة من النيكوتين, لكن هذه النسبة إذا زادت بمادة خارجية فإنها تدمر الإنسان.

ويبدأ تعاطي المخدر بشرب السجائر حيث يعتاد جسم المدخن وجود مادة النيكوتين المخدرة داخل جسمه، ومن خلال القيام بممارسة سلوك ما (التدخين) لفترة طويلة في ظل ملابسات خلالها المرء باللذة والراحة فهنا يعتاد الجسم المخدر ولا يقدر على الاستغناء عنه لأنه اعتاد على وجود نسبة المخدر في جسمه بأعلى من المألوف  والطبيعي الذي خلقه الله.

ومن ناحية أخرى لا يصل المتعاطي إلى مرحلة الإدمان إلا إذا استمر في أخذ المخدر بشكل يومي عدة مرات لمدة أسبوع متواصل فبعدها لا يستطيع الاستغناء عنه، وإذا انسحب من جسده يشعر بفشل في جميع وظائف الجسم.

ويختلف أسلوب التعاطي للمخدر من فرد لآخر، سواء بالمضغ أو استنشاق غازات ومواد مخدرة (كالبنزين  والاستيون والطلاء وغيرها) وتناوله بودرة أو أقراصا، وبالتالي يختلف تأثير كل ذلك على الحالة الصحية والنفسية للمتعاطي. وأشد الأنواع ضررا هو مخدر الهيروين الذي لا يتعاطاه المرء أكثر من 3- 4 أيام إلا ويصل إلى الدم والمخ مباشرة ويتسبب في تلف خلاياه.

ويبين د. حمدي أن نمط الشخصية له دور مؤثر في كون الفرد متعاطيا أم لا. فالصحة النفسية للفرد وخلوه من الأمراض النفسية المختلفة تساعد على كونه لا يقبل على المواد المخدرة, إما إذا اتصف الإنسان بالشخصية  الهستيرية أو السيكوباتية، أو غيرها، فيكون لديه استعداد لهذا الأمر؛ لأنه يستجيب للأحداث والانفعالات بتوظيف أعضاء جسمه فلا يعبر عن رغباته – رفضه لأمرها أو موافقته ـ لا يعبر عنها بالكلمة "الصرع" أي بالتعبير اللفظي، لكنه يعبر بالصراخ والصوت العالي وحركات الجسد المنفعلة فيلجأ للمخدرات عسى أن تكسبه هذه القوة المزعومة.

·    أعراض تعاطي المخدرات

ولكن ما هي الآثار أو الأعراض التي تظهر على المدمن؟

يجيب د. رشاد عبداللطيف بقوله: أهم هذه الأعراض: الإحساس بالرضا، القدرة على التحمل، وخاصة في حالات الجرعات الكبيرة،  كذلك زيادة الانتباه واليقظة، إلا أن الفرد قد يشعر بعد ذلك بحلول التعب في الوقت غير المناسب؛ مما يتسبب في وقوع الحوادث الخطيرة حيث يمكن  أن يستغرق في النوم وهو يقود سيارته، كما أنها تسبب أعراضا جانبية تبدو على هيئة صداع وقلق وفقدان للشهية ودوران واضطراب وهذيان وجفاف بالحلق واضطرابات هضمية بسيطة وازدياد سرعة ضربات القلب وتغيرها.

أما تأثير المخدرات المنومة على المتعاطي فهي تسبب: فقدان الذاكرة, الإهمال في المظهر, الضعف العقلي، وأخيرا تؤدي إلى الجنون. وتبدأ أولى الأعراض بالارتخاء الجسدي العام , ثم يتبعه عدم تناسق في الحركات التي تستوجب بعض المهارة، ثم يبدو الكلام غير مترابط، وينتاب المتعاطي دوار فيتمايل في المشي ويرى الأشياء مزدوجة, وبعد فتره يغرق في النوم, ومع ازدياد الكمية تحصل أخطاء في تقدير الزمان والمكان، بالإضافة إلى حالات نسيان متكررة مع اضطراب الجهاز التنفسي ثم الدخول في غيبوبة، يليها هبوط في الضغط الدموي يمكن أن يسبب الوفاة إذا لم يعالج  بسرعة.

·    تدمير الإنسان

في دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة تبين أن تعاطي المخدرات ينتشر بين الشباب في مقتبل العمر في المدن المكتظة سكانياً الذين يقطنون الأماكن الشعبية أو الذين يعانون من ظروف الحياة القاسية أو الذين تقل رقابة الأسرة عليهم، وينخفض لديهم الوازع الديني والأخلاقي. وهذه الظروف تنتشر في كثير من البلدان العربية.

ففي دولة قطر تبين أن أغلب الذين يتعاطون المخدرات هم من فئة الشباب دون سن الثامنة عشرة.

وأن 97 % من أفراد العينة يقطنون المدن، 3% تقيم بالريف، 83% من أفراد العينة عرفوا المخدرات عن طريق صديق، 77% من المتعاطين يقضون نصف وقت فراغهم – أو كله - في مجموعــات لتعاطي المخدرات، أكثر مــن 50% من المتعاطين من الشباب.

وفي دولة الإمارات العربية أظهرت دراسة أن غالبية الذين يمارسون استنشاق غازات سامة مخدرة متوسط أعمارهم 16 سنة.

 ومعظمهم بدأ استنشاق الغازات مع الأصدقاء للهروب من الدراسة أو الملل أو العمل، ويتصفون بضعف الوازع الديني، وكثرة وقت الفراغ، وزيادة المشكلات الأسرية، وغيرها.

أما في المملكة العربية السعودية فقد أكدت الأبحاث أن نسبة كبيرة من المتعاطين للمخدرات من الأحداث في سن 12- 16 سنة، ودوافعهم هي : تقليد الأصدقاء، الاستمتاع الشخصي, الهروب, الإحساس بالوحدة، الشعور بالضجر من مواجهة المشكلات الشخصية والعائلية, عدم القدرة على تحمل المسؤولية.

ويورد الدكتور عبداللطيف الأسباب الاجتماعية لظاهرة الإدمان في عدد من النقاط هي:

·    ضعف الوازع الديني.. إذا غابت القيم الإسلامية ومراقبة الله عز وجل من حياة الإنسان فإنه ينقلب إلى شخص لا يبالي  بأعراف ولا قوانين، ولا يهمه إذا فسدت نفسه أو مجتمعه, فهو لا يلتزم بتعاليم وأحكام الإسلام، وهناك اهتزاز للقيم بداخله ونفسه خربة لا تقبل الإصلاح.

·    سوء التنشئة الاجتماعية للأولاد سواء بالقسوة والشدة الزائدة أو بالتدليل الزائد عن الحد واختلاف طرق التربية بين الوالدين، مما يؤدي إلى خروج الأولاد عن دائرة الأسرة والهروب من ذلك العالم إلى عالم آخر لا توجد به مشاكل.

·    العوامل الاقتصادية سواء كانت الغنى الفاحش أو الفقر المدقع، فلم يعد هناك فرق؛ لأن هناك أنواعا من المخدرات رخيصة الثمن وفي متناول جميع الفئات كالبانجو وأدوية السعال والبنزين وغيرها، أما الهيروين فثمنه مرتفع يقبل عليه الأثرياء.

·    رفاق السوء. وكما يقال "الصاحب ساحب"، ولأن معظم المتعاطين في مرحلة المراهقة والشباب، وفي هذا السن يميل المرء إلى تقليد غيره ومحاولة إظهار القدرة على تجربة كل شيء حتى ولو كان في ذلك هلاكه.

·    أساليب وسائل الإعلام في تناول موضوع تعاطي المخدرات كثيراً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تتعرض الدراما والفلام لموضوع الإدمان وكيفية أخذ الإبر وحقن المخدر أو استنشاقه وما ينتاب المدمن بعدها من نشوة.. فكل هذا يؤثر على الشباب.

·    آليات الضبط القضائي.. حيث تأخذ إجراءات التقاضي وقتا أطول من اللازم, وقد لا يكون الحكم فيها رادعا للمجرم فيستمر عمله الإجرامي سواء في السجن أو بعد خروجه.

·    لكن كيف تعرف الأسرة أن لديها ابنا مدمنا؟

يجيب الدكتور ياسين: من السهل معرفة ما إذا كان الابن مدمنا من خلال الأعراض الخارجية التي تظهر عليه، وتتمثل فيما يلي: إغفال الوجبات المدرسية وعدم الانخراط في الأعمال المنزلية وعدم تعاونه مع أفراد أسرته, وميله دائما للعزلة والانطواء، وتأخره في التحصيل الدراسي – متمرد – عاص – عاق – وعزوفه عن الأكل، بالإضافة إلى امتقاع في لون الجسم وزوغان العينيين وفقدان القدرة على التركيز، وتغليف حياته بقدر من السرية.

تعاطي المخدرات والإدمان ليست سلوكاً شخصياً يقتصر أثره على صاحبه، بل هو كارثة تصل آثارها إلى  المجتمع كافة، ومن أهم هذه الآثار:

·    زيادة الجرائم الاجتماعية كالقتل والسرقة والهروب من المدارس والعنف داخل الأسرة وخارجها.

·    عدم الأمان في الأسرة لكثرة تفتيش المنزل من جانب أجهزة الأمن وعدم قدرة عائل الأسرة على حمايتها إذا كان هو المدمن، وقد تنقل الظاهرة إلى أبناءه:

·    التأخر الدراسي.

·    إفراز أطفال منحرفين.

·    ولادة أطفال مشوهين إذا كانت الأم الحامل مدمنة.

·    التأثير على النواحي الصحية بصفة عامة للمتعاطي.

·    فقدان الأبناء للحب والحنان داخل الأسرة.

·    ضعف إنتاج الفرد وتغيبه عن العمل وزيادة طلب الإجازات المرضية.

·    مواجهة الكارثة

إذا عرفت أن ابنك أصبح مدمنا للمخدرات.. ماذا تفعل؟

يجيب الدكتور ياسين: على الأسرة في هذه الحالة التأكد ما إذا كان ابنها مدمنا، فقد تكون الأعراض التي تلاحظها عليه ترجع لمشكلة وقع فيها الفتى، فعلى الأب والأم محاولة التقرب برفق ومعرفة سبب هذه الأعراض, لكن إذا أثبتت التحاليل وجود المخدر في دم الابن، فعلى الوالدين في هذه الحالة أن يتصفا بالشجاعة في مواجهة هذه الكارثة. كأن يبدأ كل منهما في إعادة النظر في علاقتهما بعضهما مع بعض، وكذلك علاقتهما مع الأبناء، فمن الممكن أنهما انصرفا عن الأبناء وأعطيا اهتماماتهما لأشياء أخرى أقل أهمية، فيبدئان بالتقرب من الأبناء والحوار المستمر معهم، وعليهما باللجوء للطبيب لاتخاذ خطوات العلاج التي تحتاج إلى جهد وصبر وتحمل كبير من كل أفراد الأسرة.

وليعلم الوالدان أنه لا يوجد حل لكثير من أمور حياتنا إلا بتضحية شديدة. وجزء من علاج المدمن أن يفضح أمره فلا داعي للحزن والضيق لهذا الأمر.

ولا ينفصل دور المجتمع في مواجهة هذه الكارثة عن دور الأسرة فلا بد من التكاتف لعلاج المدمن بتسهيل خطوات العلاج لأسرة المدمن وعدم عرقلة مراحل الانتقال من خطوة لأخرى، والمساهمة كذلك في التكاليف التي تكون – بلا شك – باهظة.

وعلى المجتمع أن يعمل على توفير بيئة جديدة للمدمن تسانده وتشجعه إلا يعود للمخدرات وتوفير أنشطة ترفيهية وتثقيفية متنوعة.

·    الإعلام والمخدرات

وتشير دكتورة "ماجي الحلواني" ـ عميدة كلية الإعلام  جامعة القاهرة ـ إلى أن الإعلام بوسائله المختلفة له دور كبير في القضاء على ظاهرة تعاطي وإدمان المخدرات ومحاولة محاربتها  وتوعية الناس بها.

وتلقى على عاتق وسائل الإعلام مهمة كبيرة في التصدي لهذه الظاهرة خاصة أنها تفشت في دول عربية وإسلامية كثيرة.

ولمحاربة هذه الظاهرة على وسائل الإعلام أن تقدم أفكارها في هذا الصدد بشكل غير مباشر مع الحرص والاحتياط وعدم المبالغة في عرض أحوال المتعاطين وأسلوبهم في التعاطي.

وتستنكر د. ماجي قيام التلفزيون من خلال الدراما والأفلام والمسلسلات المختلفة التي تناولت هذه القضية الشائكة بعرضها بشكل أدى إلى تركيزها في أذهان الشباب والمراهقين وعدم محاربتها؛ لأنه يعرض للمشاهد طرق تناول المواد المخدرة وكيفية تعاطيها وأماكن الحصول عليها.

·    طاعون العصر

الدكتور "عبد الغني عبود" ـ أستاذ التربية بكلية أصول التربية جامعة عين شمس ـ ينظر إلى الإدمان على أنه إفراز مجتمع أكثر منه سمات شخصية لأفراد محددين. فعندما لا يجد الشاب ذاته في مجتمعه فإنه يعيش في عالمه الخاص الذي يصنعه، حتى ولو كان الإدمان طريقه إلى ذلك، وتلك ظاهرة عالمية وليست عربية.

وعلى الرغم من انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات في مجتمعاتنا العربية إلا أنها مازالت بسيطة، فرغم  كل العيوب مازال المجتمع العربي والإسلامي أفضل من غيره في هذا الصدد.

·    الإدمان والاقتصاد

تقول الدكتورة "زينب الأشوح" ـ أستاذة الاقتصاد بجامعة الأزهر ـ: العلاقة بين الإدمان والأوضاع الاقتصادية علاقة تبادلية، فالفقر قد يؤدي إلى الإدمان الذي يؤدي بدوره إلى الفقر، كما أن الغني قد يكون سبباً للإدمان.

وتضيف: الأحوال الاقتصادية المتردية لكثير من الطبقات في المجتمعات العربية وتفاقم مشكلة البطالة دفعت كثيراً من الشباب للهروب من واقعهم المؤلم. فوجدوا في المخدرات الرخيصة مهرباً.

وكارثة الإدمان تدخل في حلقات مفرغة، فالسبب قد يكون نتيجة، والعكس. فمثلا غياب الوازع الديني والجهل بالصواب والخطأ يزيد عدد المدمنين الذي ينسحبون بالفعل من إطار الالتزام الديني ويميلون إلى مصاحبة فئات مدمنة منحرفة، فيتزايد بذلك البعد عن الدين.

كما أن انخفاض الدخل يؤدي للبطالة والعوز والفقر والحرمان من الحاجات الأساسية والهروب لدنيا خيالية من خلال إدمان أشياء رخيصة مثل "الكلة" والبنزين وغيرها.

·    حكم الشرع

الحكم الشرعي في هذه القضية يوضحه الدكتور "إبراهيم محمد عبدالرحيم"ـ أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة ـ فيقول: لقد حرم الإسلام تناول جميع أنواع المسكرات، سواء كانت خمرا أو مخدرات، وسواء كانت الكمية قليلة أو  كثيرة؛ وذلك لما تسببه من أضرار على الفرد والمجتمع الإسلامي بصفة عامة.

قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ{ المائدة 90- 91.

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مسكر حرام" وقد ثبت بالدليل أن من المخدرات ما هو مسكر ومفتر ويذهب عقل ووعي وإدراك الإنسان.

لقد اتجه المنهج الإسلامي إلى معالجة هذه المشكلة بطريقة تربوية وواقعية, حيث كان تعاطي المخدرات والمسكرات عادة شائعة ومستحكمة لدى عدد من الأمم قبل الإسلام. كما كانت عادة شرب الخمر متفشية بين العرب في الجاهلية, والعادة إذا استحكمت جذورها فلابد من عوامل جديدة وأساليب تتناسب وطبيعة المجتمع لمواجهتها والقضاء عليها؛ لذا استخدم القرآن طريقة التدرج في علاج هذه المشكلة والعلاج خطوة خطوة, هذا له غايته في المنهج الإسلامي.

وأهم هذه المراحل هي:

الإقناع وتقوية الإيمان في النفوس: وذلك من خلال التدرج الجزئي, وإثارة النفس؛ لتكون تلك العادة داخليا، ويكون التعديل نتيجة إقناع ذاتي ورغبة شخصية.

فقال صلى الله عليه وسلم : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن, ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".

توضيح الحقائق وربطها بالواقع، كما في آية تعرضت للخمر في القرآن الكريم هي قوله تعالى: }وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{. النمل:67.

وفي هذه الآية الكريمة توجيه المسلمين إلى أمر مهم، ففي الثمرة الواحدة يلتقي الخبيث الحرام والطيب الحلال،  يمكن أن تكون سما قاتلا أو رزقا حسنا، فأيقن العرب أنهم يصنعون من ثمرات النخيل والأعناب شربا مسكرا مضرا لأجسادهم وعقولهم, ومفسدا للعلاقات الإسلامية بينهم، أو الحصول منه على طعام شهي طبي وغذاء مفيد، وقد أثار هذا الازدواج إحساس المسلم بأن هذا الصنيع ربما تعارض مع السلوك الذي يريده الإسلام فهو بحاجة إلى مزيد من التوضيح لشعور المؤمن بأمر يمس عقيدته فلا مفر من الوقوف والتعرف على بيان يرضيه، فلجأ المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسون منه إيضاح هذا الأمر.

وكانت الآية الثانية وهي قوله عز وجل : }يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا{البقرة: 219.

ومع ذلك نلاحظ أن ذلك إيحاء للعاقل بترك المشروب الذي أثمه أكبر من نفعه ولذلك ترك الخمر أفضل لما فيها من إثم كبير وإن كان يشربها أخرون لعلاج داء أو مرض. فلم يكن دواء أمتي فيها حرم عليها.

قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ{ النساء: 43.

وهنا مرحلة الامتناع وإدراك الأمور، حيث في ذلك تضييق لفرص التعاطي، كسر عادة الإدمان التي مرنوا عليها، حيث إن أوقات الصلاة متقاربة، لا يكفي الأوقات التي بينها للسكر والإفاقة؛ لذا كان التحريم صريحا وقاطعا بضرورة ترك تعاطي المسكرات والمخدرات وكسر هذه العادة كجزء من العلاج.

والله سبحانه وتعالى بتحريمه تعاطي المخدرات، إنما يسعى إلى وقاية الإنسان ورعايته وحفظ نفسه وماله وعرضه ونسله وعقله،  ولا يمكن أن يعيش الإنسان في ظل حياة كريمة إلا إذا توافرت له هذه الضروريات وتوفرت العقوبة لحمايتها، وللمحافظة عليها شرع الله تعالى عقوبات على شارب الخمر وكل ما يقاس عليها من مفتر أو مخدر،  فجميع أوامر الله ونواهيه شرعت لمصلحة الفرد والجماعة والمجتمع وتحقيق الأمن والاستقرار لأبنائه.   



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...