قابيل وهابيل: من هنا بدأ التسويق! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

قابيل وهابيل: من هنا بدأ التسويق!

عالم الأسرة » همسات
08 - محرم - 1440 هـ| 19 - سبتمبر - 2018


1

سأعود بكم الى بداية الحياة على الأرض. آدم وحواء. وقابيل وهابيل. كانت حواء هي البذرة وآدم هو الغرس، كانت حواء تلد كل مرة ابناً وبنتاً. قيل: إنها ولدت مائة وعشرين مرة. وكان مشروعاً  زواج الأخ من أخته. يتزوج ابن البطن الأول من بنت البطن الثاني، وهكذا. أراد هابيل أن يتزوج أخت قابيل، إلا أن قابيل أراد أخته لنفسه؛ لأنها كانت أجمل من أخت هابيل. لحل النزاع:  أمرهما أبوهما آدم أن يقدما قربانين. فقدم كل واحد منهما قرباناً..  الأمر أبعد من مجرد قربان. القربان سيكشف صاحبه. مثلما يكشف المنتج صانعه. قابيل وهابيل يعجزا عن إدراك ذلك. وهذا هو المطلوب. المطلوب أن يتصرف كل منهما بطبيعته دون تكلف.  كان هابيل صاحب غنم فقرب واحدة سمينة، بينما كان قابيل صاحب زرع فقدم حزمة ضامرة من زرعه. كان هابيل أكثر إيماناً من قابيل. إيمان هابيل انعكس على عطائه. وعبر عطاء قابيل عن إيمانه.

 في حياتنا الإيمان هو كل شيء. وفي حياتنا إيماننا ينعكس على عطائنا. تقبل الله من هابيل، ولم يتقبل من قابيل؛ فغضب قابيل وهدد أخاه بالقتل، فأجاب هابيل بأن الله يتقبل من المتقين.

 هذه هي أول عملية تبادل واضحة ومباشرة تتم بين طرفين أو أكثر، وكانت بين الخالق والمخلوق. هي عملية تسويق بامتياز؛ لأن التسويق عملية تبادل بالأساس، وعملية التبادل بدأت مع بداية الحياة على الأرض. المنافسة كانت حاضرة بين قابيل وهابيل، وانتصر هابيل لأن ما قدمه لخالقه كان طيباً، بينما خسر قابيل؛ لأن نفسه السيئة انعكست على عطاء يده.

 يقول آدم سميث الاقتصادي المعروف: (لم نر قط كلبين يتفاوضان في أمر اقتسام قطعة عظم. لم نر أبدا أن حيواناً يحاول "إفهام" حيوان مثله، مستخدما صوته أو حركات جسمه، فيقول له: "هذا لي، وهذا لك، سأعطيك مالي مقابل أن تعطيني ما لك"). إذن التبادل هو فعل إنساني في الأساس، ومنطق بشري ليس له مكان في الغابة، في الغابة هناك سرقة وافتراس.

التبادل كان هو الحل الإلهي لتطور الكون، فالإنسان حتى يملك أسباب العيش، وحتى يستطيع مواجهة أعباء الحياة، بل وحتى يسيطر عليها، ويستطيع أن يدفعها إلى الأمام: فعليه أن يتبادل الأشياء مع الآخرين، وفي التبادل علاقة وارتباط وتعاون ودعم للقوى والإمكانات، ومن ثم تتغير الحياة يوماً عن يوم، ويتمكن خليفة الله في أرضه من تنفيذ إرادة الله في خلقه وفي ملكه.

 لنتخيل حياة بدأت بلا تبادل، وبلا شعور لدى طرف بأنه بحاجة لما يملكه أو يقدمه طرف آخر. لنتخيل حياة لم تقم على العطاء المتبادل. هي الموت بعينه. من جانب آخر: فمحاولة خداع الآخر أو إعطائه أقل مما يستحق: يعني أن التبادل يشوبه الشوائب، وأن العملية برمتها ستفشل؛ لأن هناك طرفا يبخس حق طرف آخر، المعنى الآخر حتى تستقيم الحياة وحتى تسير في اتجاه التطور يجب أن يرتقي العطاء، وينزع منه الجشع والطمع والظلم، أن يكون عطاءً عادلاً، فالعطاء غير العادل يهدم ولا يبني، أيضاً العطاء يعني أن يدرك من يعطي قيمة المعطى له، وإدراك أن ما تقدمه باليمين سوف تحصل عليه باليسار، لا تنتظر أن تقدم القليل وتحصل على الكثير، هذا المنطق يسري فقط على العلاقة بين الخالق والمخلوق، فقدرة الخالق واستغنائه وإدراكه لضعف المخلوق: تجعله يرأف به ويقدم له في النهاية أعظم بكثير مما حصله منه. في الحياة تبادل وفي التبادل حياة. ولهذا سيظل التسويق أساس الحياة على وجه الأرض، وستعاني الأرض عندما يغيب منطق التبادل، ويسود منطق الغابة، حيث القوة والقهر والسلب والخداع. التسويق يحيا على منطق التبادل وأي عملية تبادل تخلو من شروط التبادل العادلة، لا يمكن وصفها بعملية تبادل، ولا يمكن بكل تأكيد ربطها بمفهوم وفلسفة التسويق. التسويق هو فلسفة العطاء المتبادل.

 إذن التبادل هو سنة الكون، وهو الفكرة الأساسية التي عمرت الأرض، ومكنت جنس الإنسان من البقاء على قيد الحياة. لو خلق الله الإنسان مستغنياً عن الآخر: سيطغى ولن تسطع الشمس على بشر، بل سيرث الحيوان الأرض (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى)العلق7،6.

إذن خلق الله الإنسان محتاجاً لغيره، وأسس بنيان الحياة كلها على التبادل. وبالتبادل تتطور الحياة، ولكنها تتطور فقط عندما يفكر كل طرف في تعظيم عطائه للآخر. هنا يتراكم العطاء، وتصبح الدنيا أسهل وأجمل. تصعب الدنيا وتزداد قبحاً عندما ينشغل طرف بتعظيم مكاسبه على حساب طرف آخر. وينعدم التبادل تماما عندما نفرض عطاءنا على الآخر، الرضا هو شرط التبادل، إذا انتفى هذا الشرط نحن بصدد عملية تعسف وإجبار كاملة الأركان. بدون رضا ينعدم التبادل، وبدون التبادل ينعدم التسويق،  واذا كان  التسويق بدأ ببداية الحياة على الأرض، وسينتهي بنهايتها، فإن معضلة الأرض الكبرى الآن هي غياب منطق التسويق، وحضور منطق القوة والقهر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...