قارون: الغَنيُّ المتكبر! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

قارون: الغَنيُّ المتكبر!

واحة الطفولة » واحة القصص
18 - جمادى الآخرة - 1439 هـ| 06 - مارس - 2018


1

من ذلك الرجل الغني، الذي جمع أموالًا لا يقدر جماعة من الرجال على مجرد حمْلِ مفاتيح خزائنها؟ وهل حقق بأمواله ما تمناه؟ أم أن أمواله دمَّرته وأهلكته؟

إنه الشاب قارون الذي كان من قوم سيدنا موسى - عليه السلام - ولكن الله فتح عليه باب الرزق حتى صارت الأموال معه بلا عدد ولا حساب، فصنع لأمواله خزائن ضخمة؛ كي يحفظ فيها كنوزه الهائلة التي استمرت في تزايد وكثرة، إلى درجة أن مفاتيح خزائنه فقط لم يكن يقدر على حملها جماعة من الرجال الأشداء الأقوياء، إلا بصعوبة ومشقة.

تكبَّر قارون على قومه جميعًا، وصار ظالمًا لا يخاف الله، ولا يعطي الناس حقوقهم، فأراد بعض الناس أن ينصحوه، فقالوا: لا تفرح بأموالك فرحًا يُنسيك نعمة الله عليك، واعلم أن المال فتنة، فلا تغترَّ به، واصنع أعمالًا صالحة تنفعك في الآخرة، فالدنيا لا تدوم.

تضايق قارون من هذا الكلام، وشعر بالضجر والغضب من هؤلاء الناصحين وقال لهم: لو كان معكم أموال مثلي، لتنعمتم وتمتعتم بها، دعوني وشأني أتمتع بمالي كما أشاء وكيفما أحب، لا دخل لكم بما أفعله، فأنا حرٌّ.

لكن بعض العقلاء من الذين يحبون له الخير، عادوا إلى نصحه في رفق ولطف قائلين: تمتع بمالك كما تحب، ولكن تذكّر أن الله هو من أعطاك كل هذه النعم والكنوز، وشكر النعمة يكون باستخدامها في الخير، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والضعفاء المحرومين، وإياك من التكبر والغرور وظلم الناس، فإن الله لا يحب المتكبرين ولا يحب الظالمين.

زاد هذا الكلام قارون غضبًا وغيظًا فقال: لقد حصلت على كل هذه الأموال بعلمي وذكائي، فلا تزعجوني بكلامكم، فلن أعطي لأحد منه شيئًا أبدًا، ولولا أن الله يحبني ما أعطاني كل هذا الخير، وحرَم غيري.  

لم يقبل قارون نصحًا من أحد، حتى من نبي الله موسى - عليه السلام - بل وتكبر عليه بأمواله وكنوزه.

وذات يوم، خرج قارون في موكب فخم وضخم، وهو يلبس أفخر الثياب وأجملها، وقد تزيَّن بأنواع اللآلئ والجواهر، وركب عربته الفاخرة التي تجرها أجود الخيول وحوله الخدم والحشم، فلما رأى الناس هذا الموكب العظيم، قال بعض ضعاف النفوس الذين أحبوا الدنيا ونسوا الآخرة: يا ليتنا نصبح أغنياء مثل قارون، إنه عظيم الحظ.

ونسى هؤلاء أن قارون ظالمٌ لا يحبُّ الله أفعاله، ويعاقب أمثاله بالنار.

وقال المؤمنون بالله حين سمعوهم: يا لكم من مخطئين، إن ثواب الله خيرٌ وأفضل لمن آمن وعمل صالحًا؛ فإن ثوابه للمؤمنين جنات النعيم الدائمة الخالدة في الآخرة، فلا تتمنوا أن تكونوا مثل قارون الظالم، الذي ابتلاه الله بكثرة المال، فطغى وتجبر، والأفضل لكم أن تدعُوا الله أن يُعطيَكم من فضله ورزقه، وأن يُوفِّقكم لأعمال صالحة، واعلموا أن الصبر على طاعة الله في السراء والضراء: أول أسباب الفوز بالجنة. 

ثم عاد الناس إلى بيوتهم وقد انقسموا قسمين: قسم يتمنى أن يصبح غنيًّا جدًّا مثل قارون، وقسم آخر يعتقد أن الخير كل الخير فيما قسَمه الله لهم من الرزق، وأن نعمة الإيمان وما يتبعها من نعيم في الآخرة خير من الدنيا وما فيها.

وفي الصباح، فوجئ الناس بالأخبار تنتشر في المدينة بأن قصر قارون الرائع الجمال، والذي يتمنى كل الناس أن يكون لديهم مثله، قد ابتلعته الأرض بكل ما فيه، ومن فيه.

ولم تستطع الكنوز ولا الخدم والحشم أن ينقذوا قارون، فقد هلكوا جميعًا معه.

ذهب الناس جميعًا ليتأكدوا من هذا الخبر المذهل، فلما رأوا أن قصر قارون قد خُسف به، ولم يبق منه أي شيء، قال الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثله: الحمد لله أن الله لم يجعلنا مثله، وإلا لخسَف بنا كما حدث لقارون، إن الله لا يحب الكافرين ولا المتكبرين.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...