قلق الانفصال لها أون لاين - موقع المرأة العربية

قلق الانفصال

عالم الأسرة » شؤون عائلية
27 - ذو الحجة - 1439 هـ| 08 - سبتمبر - 2018


1

يُشكل تعلق الطفل بوالديه وبأمه تحديداً: سلوكاً طبيعياً يسلكه الأطفال في سنواتهم الأولى بشكل تلقائي، فهم يرون بالأم مصدراً للأمان لهم، فضلاً على أن الكثير من احتياجاتهم لا تُقضى إلا من خلالها؛ نتيجة ضعفهم، وقلة خبرتهم بالعالم من حولهم. لذلك يُعد هذا التعلق في الإطار الطبيعي خلال العامين الأولين من عمر الطفل. غير أنه خلال وبعد هذه المرحلة يحتاج الطفل للاستقلال النفسي المتزامن مع استقلاله الجسدي عن أمه؛ ليكون نموه النفسي طبيعيا؛ وليتمكن بالتدريج من تشكيل هويته الشخصية المستقلة بمساعدة والديه. بالإضافة إلى حاجته للاستقلال؛ ليلتحق برياض الأطفال والمدرسة فيما بعد.

غير أن نسبة كبيرة من الأطفال لا يتم استقلالهم النفسي بشكل متزن وتدريجي، بالتالي يواجهون مشكلات عند خوضهم تجربة الاستقلال الأولى عن الأم، خاصة عند التحاقهم بالمنشئات التعليمية. كما أن الدلال المفرط لهم من قبل الوالدين، وكذلك الشدة الزائدة منهما، والتي تُنتج ضعفاً في الثقة بالنفس، تجعل من الأم مركز أمانهم الوحيد. فضلاً على أن تنشئتهم في أسر غير مستقرة لا يشعرون فيها بالأمان: يجعلهم يتعلقون بالأم بشكل مفرط، ويخافون من مجرد فكرة انفصالهم عنها؛ فتظهر عليهم بعض السلوكيات والأعراض النفسية من قلق وخوف. والتي لا تتوافق مع النمو النفسي الطبيعي للمستوى العمري لهم.

وهذه الأعراض هي ما تسمى بقلق الانفصال، والذي يمكن تعريفه كأحد المشكلات النفسية التي تُصيب الطفل، وتتمثل في مخاوف شديدة تجاه انفصاله عمن يرتبط بهم الطفل عاطفياً كالأم مثلاً، وينتشر أكثر بين الأطفال الإناث أكثر من الأطفال الذكور. ويشمل عدة أعراض تظهر عند مواجهة الطفل موقفاً يستدعي انفصاله عن أمه، أو عن البيت ولو لفترة قصيرة.

 فتظهر عليه علامات الخوف الشديد والبكاء لدرجة الهلع، مع التمسك بالأم بدرجة شديدة تقتضي لزوم قربها، في حين أحس الطفل أنه يمكن أن يتعرض للانفصال عنها بأي شكل كان، مع انشغاله بالجلوس بقربها عن أي عمل أو مشاركة اجتماعية كان يستمتع بها من قبل، كاللعب الجماعي، أو ممارسة هوايات مفضلة لديه. مع رفضه للذهاب للمدرسة، أو تكرار شكواه الصباحية من الآلام والمرض، وزوالها عنه في حين تمكن من الجلوس في البيت، مع خوفه من الانفصال عن أمه عند خروجه منفرداً من البيت، ويتعلل بحدوث ما يكره من حوادث أثناء خروجه وحده، أو نومه منفرداً دون أمه مع معاناته من كوابيس وأحلام مزعجة. ولا تُشكل هذه الأعراض إن كانت عابرة لأيام مشكلة تستدعي للعلاج. فاستخدام التطمين مع التعزيز والاستقلال المتدرج قد يكون كافياً. غير أن استمرارها بشكل متواصل لمدة شهر فأكثر مع أعراض الخوف والقلق الغير متناسبة مع سن الطفل، أو أن يكون هذا القلق له تأثير على حياته ونشاطه اليومي، فهذا ما يحتاج للعلاج وذلك على حسب شدة ومدة الأعراض وسن الطفل.

فقلق الانفصال شأنه كشأن المشكلات النفسية الأخرى، يتراوح من الدرجة اليسيرة والذي يمكن التعامل معه، وعلاجه من خلال العلاج المعرفي السلوكي، وحتى مع بعض الحالات المتوسطة، إلا أن الحالات الشديدة تستدعي ترافق العلاج الدوائي مع العلاج السلوكي.

ومن المهم التعاون بين الأم والأخصائي النفسي، والمنشأة التعليمية التي يلتحق فيها الطفل؛ لتحقيق الاستقلال التدريجي بين الأم والطفل بانسحاب الأم المتدرج بعيداً عن الطفل؛ حتى تصل لدرجة مغادرة المكان وتركه بعض الوقت وزيادة الوقت بالتدريج، مع محاولة دمجه فيما يشغله عن غياب أمه من ألعاب أو باللعب مع الأطفال، خاصة الذين يتمتعون بالجرأة والاستقلال عن أمهاتهم؛ ليشعر بالأمان ويقتدي بهم بشكل تدريجي، من خلال الاندماج معهم في اللعب الجماعي، مع تهيئة جو ممتع ومشوق للطفل؛ لينجذب ويتفاعل مع ما فيها من ألعاب، وينشغل بها عن قلقه، والسؤال عن أمه. كما أن اهتمام الروضة أو المدرسة بتعزيز وجود الأطفال في الأسبوع التمهيدي الأول بما يحبونه من حلوى وألعاب: يساهم في استقلالهم، وسرعة تكيفهم وشعورهم بالأمان.  مع تعاون الأسرة أيضا بتهيئة الجو المناسب لاستقلال الطفل وإزالة مسببات قلقه.

فكلها أساليب سلوكية، تساعد الطفل على التخلص من قلقه، وتساعده على الاستقلال التدريجي، لكن في حال كان درجة ما يعاني منه الطفل من قلق كبيراً: فإن هذه الإجراءات تحتاج لدعم دوائي؛ لتكون النتائج بالشكل المطلوب. فبعض الأطفال ممن يعاني من قلق الانفصال بدرجة كبيرة، يستمر في خوفه حتى بعد مرور أسابيع من بداية الدراسة، ولا تجدي معه الأساليب السابقة، ويهمل الوالدان علاجه على اعتبار أن ما يصدر منه: هو نتيجة صغر سنه، وبالتالي يعملون على تأجيل دخوله للمدرسة للعام المقبل، ولا يُدركون أن هذا لا يحل المشكلة، بل على العكس يزيدها تعقيداً، ويجذر الخوف عند الطفل؛ لأن علاج المخاوف والقلق يحصل بالمواجهة لا بالهروب من مصادرها. وتظل الوقاية دائماً خير من العلاج؛ وذلك بالاعتدال في تنشئة الطفل؛ ليكون فطامه النفسي متناسباً مع عمره الزمني، وبالتالي يتمكن من الاستقلال دون مشكلات، ويُكون شخصيته بشكل أفضل.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...