قمع المشاعر واللامبالاة.. موت على قيد الحياة!!

عالم الأسرة » همسات
12 - رجب - 1441 هـ| 07 - مارس - 2020


1

اللامبالاة هي حيلة نفسية تلجأ إليها النفس المغلوب على أمرها، حين يزداد عليها الضغط من طرف ما، بالقسوة والإهانة.

فمثلا، تسمع الفتاة من يقول لها بأعلى الصوت: يا حيوانة، فتواصل عملها، وكأنها ما سمعت شيئا، هي بالفعل قررت عن عمد أن تفصل مشاعرها عن إدراكها، حتى تستطيع أن تتعايش مع هذا الواقع التعيس!

هذه الحالة في علم النفس يسمونها (قمع المشاعر)، بمعنى أنها اضطرت تحت ضغط الواقع أن تفصل أسلاك الشعور، لترحم نفسها من ألم الإحساس بالذل والهوان..ولكن خطورة التعود على هذه الحالة، هي أن يصاب صاحبها مع الوقت بنوع من تبلد المشاعر فيصبح فعلا باردا لا يحس ولا يشعر، وينطبق عليه قول الشاعر:

من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت إيلام!

أي من يقبل بالهوان والذل مرة بعد مرة، يتعود على ذلك، حتى تصبح نفسيته متبلدة المشاعر، كالجسد الميت الذي تبلدت أحاسيسه.

إن تعويد النفس على قمع الشعور، يؤدي مع الوقت إلى عدم الاعتراف بها، فتصبح النفس بالفعل لا تشعر بما يحصل حولها..

مثل المرأة التي تبتلى برجل عصبي لا يتوقف عن السب والشتم والإهانة، ربما يستغل أنها مسكينة، أو أن أهلها ضعفاء، أو أنها مقطوعة من شجرة ( كما يقال ) ليس لها أهل يسألون عنها، ثم يتعامل معها بكل خسة ونذالة، وإذا وجهت له اللوم، ربما قال لك بابتسامة عريضة: (إنها باردة، عديمة الدم، لا تحس) وكأنه يريد أن يقنعك، أنه متزوج من حيوانة لا إنسانة، ولا تنتمي إلى بني آدم الذين كرمهم الله تعالى، وهو بذلك يسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إليها،

والحقيقة أن مثل هذا النوع من الرجال، يحتاجون أن يراجعوا آدميتهم، قبل أن يقابلوا الله تعالى.

فلو أنه تزوجها من بيت أبيها، باردة لا تحس كما يقول، فإنه يجب عليه إنسانيا أن يحسن إليها ويعينها في علاج تبلدها وعدم إحساسها، لا أن ينتهزها فرصة ليسبها ويهينها ويسب أباها وأمها، أما إن كان هو سببا في تبلد مشاعرها على هذا النحو، فهو رجل ظالم، وحسابه على الله وكفى، وليتأكد أن الله تعالى لا يضيع عنده شيء (وإن كان مثقال حبة من خردل، أتينا بها وكفى بنا حاسبين)

لأنه حينما كان سببا في إهانة وشقاء وتعذيب إنسان، خلقه الله ليسعد، لا ليتعس، ويعطي للحياة بتفاؤل وأمل، لا ليتحطم وييأس، فهو ظالم وربما كان عدوا لله من حيث لا يشعر.. فليفق هذا النوع من الرجال وليسأل نفسه بكل شجاعة، هل أنت مستعد لملاقاة الله في أي لحظة، ومقابلته وأنت ظالم لإنسان وسبب تعاسته وشقائه في الحياة.

ونفس الكلام يقال عن المرأة العصبية التي تتزوج رجلا ولا تكف عن التنقص منه في كل موقف، مرة بنظراتها ومرة بكلماتها ومرة بأفعالها، وتتبجح في وجهه بانتقاداتها اللاذعة، ولا تتوان في أن توصل له رسالة الإهانة بكل سبيل، والمسكين لسبب أو لآخر قد يضطر أن يقبل بهذا الوضع المهين، ويقرر أن يتعامل مع هذا الواقع المزري، ببرود مطلق، مما يدفعها للتطاول عليه أكثر، وقد رأينا بأعيننا أزواجا تمسح بهم زوجاتهم الأرض، وهو أمامها ضعيف ومستضعف، لا يهش ولا ينش، وفي رأيي أن هذا النوع من الرجال مجرم في حق نفسه، فالحياة التي تجبرك ـ أخي ـ على أن تخلع كرامتك كما تخلع حذاءك على باب بيتك، هي في الحقيقة موت لا حياة! أين شعورك بقيمتك؟ أين احترامك لنفسك؟ أين تقديرك لذاتك؟ أين كرامتك؟

اعلم أنك ستحاسب على قبول الإهانة لنفسك أمام الله، فالله تعالى لا يقبل لإنسان خلقه حرا كريما عزيزا، أن يعيش مهانا مستضعفا ذليلا، وسوف يحاسبك على ذلك، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

وأخيرا.. ليس القتل مقصورا على أن نمسك بسكين، نطعن بها نفسا فنرديها قتيلة، فهناك أنواع أخرى من الاغتيال لا تقل في بشاعتها عن الطعن والذبح، مثل أن نحطم إنسانا وندمره، فيصاب باليأس والإحباط وتسود الحياة في عينيه، وكذلك ليس الانتحارمقصورا على أن يتخلص الإنسان من نفسه بقتلها، فهناك أنواع أخرى من الانتحار، لا تقل في بشاعتها عن الموت، مثل أن تقرر أن تعيش ميتا، وأنت على قيد الحياة!

عبر عن مشاعرك ولا تقمعها، وحافظ على نفسك، ولا تقبل بالذل والهوان، وعش في هذه الحياة كريما عزيزا حرا، مهما كلفك ذلك من ثمن، فحياتك وكرامتك يستحقان منك أن تختار لهما أفضل الخيارات

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


إبراهيم جمعة

ل. آداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية

ليسانس آداب قسم اللغة العربية جامعة الأسكندرية سنة 1993
مرشد تربوي وتعليمي سابق بشركة الفرسان التعليمية
محرر صحفي ومشرف محور الأسرة والطفولة بموقع لها أون لاين
له عدد من المقالات الاجتماعية والحقائب التدريبية في مجال العلاقات الزوجية وتربية الأبناء


تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...