قيم وأفكار معمرة

كتاب لها
19 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 09 - ابريل - 2015


1

       عُرفت – عبر تاريخ الإنسانية الطويل – كائنات معمرة، سواء كانت من الحيوان أو حتى النبات والأحجار، وها هو علم الآثار غني بالنماذج التي تشير إلى سنوات تذهل العقل، عاشها هذا الكائن أو ذاك، والإنسان كذلك منه المعمر، ومنه غير ذلك، وقد أشار القرآن إلى هذه السنة حيث يقول في كتابه العزيز " وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ"[1]

وبالمقابل نجد كائنات منقرضة، وجعل الله للكائنات المعمرة أسبابا طبيعية، جعلتها تعيش ما شاء لها الله أن تعيش، كما أنه أزال الأسباب التي جعلت تلك الكائنات تنقرض، وهذا باب طويل ولعله معروف.

          أما الأمر الذي يثير الدهشة والغرابة هو أن هنالك قيما وأفكارا ظلت مستمرة معنا - نحن المسلمين– وعصيت أن تموت أو تزول، رغم أن الزمان تجاوزها بقرون، فكل فترة نجدها تطل برأسها. فيا ترى ما هي البيئة والظروف التي جعلت هذه القيم تنبض بالحياة، ومن هذه القيم هي نظرة المجتمع للمرأة. فما زالت بعض مجتمعاتنا تنظر للمرأة - من خلال التعامل معها – أنها مواطن من الدرجة الثانية، ومازال بعضنا يفرح إذا بشر بإنجاب الذكر أكثر من فرحه بالأنثى، حيث يقول الله تعالى "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ "[2] وانظر إلى الذين تدعو لهم بإنجاب الإناث بالرغم من أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان أبا للإناث، وكانت المرأة في حياته – صلى الله عليه وسلم – ظاهرة وبارزة، وما استحى يوما من ذكرها، بل يعلن بوجودها وبأهميتها في حياته، وانظر إلى جوابه ـ صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ـ ـرضي الله عنه ـ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ قَالَ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ . قُلْتُ مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ عُمَرُ ـ رضي الله عنه ـ  فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ[3]. فلم يكتف عليه الصلاة والسلام بذكر السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ، بل أضاف الخليفة الراشد أبوبكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ إليها، ولم يظهر عليه الصلاة والسلام هذا الشعور في جلسة خاصة أو أسرية، وإنما أوضح وأبان شعوره هذا أمام الملأ. فإذا شاهدنا اليوم من يبخل بمشاعره تجاه زوجته، حتى بينه وبينها، لا يكاد يذكر لها كلمة ثناء أو مدح، فمن أين استقى هذه القيمة؟ أم إنها ما زالت تجري في دمائنا، كما كانت تجري في دماء أجدادنا الذين سبقوا الإسلام؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن هذا مسلكه مع المرأة، فها هو  عليه الصلاة والسلام عندما جاءت إليه السيدة أم سلمة تتحدث إليه عن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم يخف حبه لها، حيث كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة.  قالت: فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ ، فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان، فذكرت أم سلمة له ذلك، فسكت، فلم يرد عليها، فعادت الثانية، فلم يرد عليها، فلما كانت الثالثة، قال: "يا أم سلمة "لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"[4].

               وبعد عرضنا لهذه القيمة المعمرة، رغم أنها تخالف قيمنا الإسلامية لايزال بعضنا محاصرا بها من جهة، ومن جهة أخرى تحاصرنا جميعا أفكار حديثة تنادي بتحرير المرأة، والزج بها في كل مجال من مجالات الحياة، وعدم الاستفادة من القدرات التي وهبها الله لها، ولا منقذ لنا من هذا الحصار القديم أوالحديث إلا بتعاليم الإسلام، وبسيرة الرسول -  صلى الله عليه وسلم - ، ويظهر التحدي في هذا الموضوع من خلال حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم -  "إن الدنيا حلوةٌ خضرةٌ، وإن اللهَ مستخلفُكم فيها، فينظرُ كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ؛ فإن أولَ فتنةِ بني إسرائيلَ كانت في النساء"[5]

فما السبب الذي يجعل بعضنا يخفي إحساسه نحو المرأة بالتقدير والاحترام؟

فهل مازال ذلك الإحساس الجاهلي نحوها حيا في قلوب البعض، ولم يمت رغم كل هذا البعد الزماني والبعد القيمي؟!

 

[1]سورة الحج آية 5

[2] سورة النحل آية 58

[3]متفق عليه.

[4]رواه البخاري.

[5]رواه مسلم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...