كتّابنا: غادروا برجكم العاجي

رأى لها
08 - ربيع أول - 1438 هـ| 07 - ديسمبر - 2016


كتّابنا: غادروا برجكم العاجي

كاتب يسكن في برجه العاجي، ستبقى كلماته سجينة هناك حيث يقبع، يرتد صداها ليسمعها هو ومن يشاركه الإقامة في ذاك البرج.

قال أحد الحكّام في العصر الحديث: لو كان الإعلام رجلاً لقتلته قبل أن يقتلني!.

 

هذا القول يختصر قدرة الإعلام بشكل عام على التأثير في المجتمعات بكافة هيئاتها ومؤسساتها وسلطاتها.

 

مكانته هذه جعلته يتحكم بالقيم والأشخاص، إما سلباً أو إيجاباً بحسب استعمال ذاك الإعلام وتوجهاته[1]، فأصبح من الممكن اليوم التأثير من خلال مصدر وحيد على تفكير وسلوك مئات الملايين من البشر[2].

 

وبالتالي فإن من يمتلك وسائل الإعلام، يمتلك قوة التأثير؛ ذلك أن من أهم وظائفها؛ التوجيه وتكوين المواقف والاتجاهات ويكون ذلك إما بإكساب الجماهير اتجاهات ومواقف جديدة، أو تعديل المواقف والاتجاهات القديمة، وأحيانا إبدالها بمواقف جديدة أو تثبيت المواقف القديمة.

إدراكنا لمكانة الإعلام وتأثيره الكبير يجعلنا أمام تحدي حقيقي، فمن يمتلك مفاتيح التأثير هو الأقرب لاحتياجات الجماهير لا من يريد فرض فكره ووجهة نظره وحسب.

 

الإعلام المحافظ والإعلام اللبيرالي كلاهما يقطنان البرج العاجي، ويمليان قيمهما من ذلك البرج.

فيما تتلقف الجماهير رسائلهما ويفسرونها كل وفق قربه من ذاك البرج، خاصة وأن الأفراد يختلفون كثيراً فيما يتعلق بحساسيتهم تجاه الرسائل الإقناعية.

الإعلام المحافظ يقدم صورة وردية عن الوضع القائم، مخافة تغيير يحمل تشويهاً للقيم.

والإعلام الليبرالي يقدم صورة سوداء مشوهة عن الوضع القائم، مستخدماً مفردة التغيير يدغدغ فيها مشاعر من يرون التغيير حلاً لكل المشكلات، ولكن ما هو التغيير الذي يريدونه؟!

 

وما بين هذا التناول وذاك، تبقى مشكلات المجتمع الحقيقية مغيبة، وبالتالي ينشأ التخبط المعلوماتي الذي يتصاعد حتى يصبح تخبطا قيميا، خاصة عند جيل الشباب الذي قد يتأثر من تكرار الرسالة الإعلامية، التي يتم ترسيخها في العقل الجمعي لهذا الشباب.

الشباب الآن يكاد يكون قد هجر الإعلام الممنهج، واندمج مع وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تسكن يوماً برجاً عاجياً، وهكذا انخرط في هذا الإعلام، واندمج فيه، وأصبح في مواجهة مباشرة مع كم كبير من الحقائق والأكاذيب.

وهذا يضع الإعلام أمام تحدي كبير، تستلزم منه تغيير في بعض نظرياته الإعلامية التي كان يعمل وفقها، بحيث يكون الإعلام قائماً، ليس على النظرية القائلة إنه يمكن فعل أي شيء بالرأي العام، بل على اهتمام حثيث بمعرفة ميول الرأي العام، وردود أفعاله حتى نحتوي الشباب ونحميه في الوقت نفسه.

 

[1]د. ليلى العقاد- نظريات الاتصال ووسائله، المطبعة الجديدة، دمشق 1988-1989م ص207

[2]ترجمة وإعداد د. فريال مهنا، تقنيات الإقناع في الإعلام الجماهيري، 1409هـ -1989م ص157

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...