كليبتومانيا: اضطراب هوس السرقة

عالم الأسرة » همسات
19 - ربيع أول - 1440 هـ| 28 - نوفمبر - 2018


1

لا شك أن السرقة من السلوكيات المرفوضة على المستوى الديني والاجتماعي والأخلاقي. ولكن عندما نتحدث عن الكليبتومانيا: فإننا في هذا النوع من السرقة لا نتحدث عن مجرم أو سارق يحتاج ما يسرقه. بل نتحدث عن مريض يحتاج للعلاج.

          ويمكن تعريف الكليبتومانيا: بأنه اضطراب هوس السرقة، والذي يعني: عدم قدره المريض التحكم في الاندفاعات المتكررة؛ لسرقة أشياء عديمة القيمة، وأيضاً عديمة النفع له، فهو لا يحتاجها وبالتالي يحاول التخلص منها بعد أخذها. وهي من المشكلات النفسية نادرة الحدوث، والتي تصيب الإناث أكثر من الذكور، وفي أعمار مختلفة خاصة سن المراهقة.

ورغم أن سلوك السرقة في الحالات المرضية والغير مرضية يتطابقان في الجوانب القانونية والرفض الاجتماعي للسلوك نفسه، إلا أنهما مختلفان تماماً في الدوافع للسلوك والأثر لما بعده.

فالدافع للسرقة عادة ما يكون في إطار الدوافع الإجرامية؛ لإيذاء المسروق منه أو لاحتياج السارق، أو طمعه في المسروق. لكن في حالة هوس السرقة: فإن الدافع هو السرقة بحد ذاتها (السلوك نفسه) لا المسروق بعينه، فغالباً ما يكون المسروق عديم القيمة، أو باستطاعة السارق شراءه على أقل تقدير. وكثيراً ما يعمل على التخلص منه، أو إهداؤه وأحياناً إرجاعه لصاحبه بالخفية، فالدافع: الإحساس باللذة والإثارة، بالإضافة إلى محاولة تخفيفه حدة القلق وتسلط الفكر الاندفاعي عليه، والذي يصيبه بالتوتر الشديد، ويخف هذا التوتر عند الاستجابة بالسرقة، لكن سرعان ما يشعر المريض بالندم والحزن على ما فعله، فهو يعلم حكم السرقة ويرفضها من الناحية الأخلاقية! لكنه يعجز عن مقاومة اندفاعه نحو بعض الأشياء فيسرقها!.

 كما أن المريض بهوس السرقة لا يعمل على التخطيط لسرقته كالسارق الذي يحكم التخطيط والترصد المسبق مع مجموعة ممن يعينونه قبل الإقدام على السرقة.  وإنما يسرق وحده أشياء غالباً ما تكون عينية لا مادية، فضلاً على أن المسروق ليس له قيمة تُذكر، فلا يحتاج للتخطيط المسبق. وغالباً ما يكون المسروق ذا قيمة معنوية؛ لإشباع احتياج عاطفي لديه، بالإضافة إلى الهدف الأساس، وهو التخفيف من حدة التوتر الذي يعاني منه المضطرب.

فهو يدور في حلقة مفرغة، تبدأ بإلحاح الفكرة عليه ليسرق، فتشعره بالتوتر الشديد؛ فيندفع للاستجابة لها بالسرقة؛ بهدف خفض حدة التوتر الذي ينخفض بالفعل أثناء السرقة، ويشعر أيضاً باللذة أثناءها، لكن بعدها يشعر بالندم والذنب ويخجل من نفسه؛ لعلمه بحكم السرقة، وبالنظرة الدونية للسارق، وعدم حاجته لما يسرق؛ مما يدفعه لمحاولة التخلص منها. كما أن هذا الاضطراب يزداد أثناء المعاناة من الضغوط، فهو يحمل طابع الاضطرابات القهرية.

أما أسباب هذا الاضطراب: فهي غير معروفة بدقة. لكن تمثل العوامل البيئية والأسرية من أهم المسببات، كالتعرض في طفولته للقسوة والتذبذب في العملية التربوية، أو الحرمان المادي وكذلك الحرمان من أحد الأبوين. وتساهم التربية الصارمة في الطفولة أيضاً في ظهوره؛ لأنها تساهم في تنشئة الشخصية القلقة التي تكون أكثر قابلية للتوتر. وكذلك يساهم الحرمان العاطفي في الصغر بظهور الاضطراب لإشباع الاحتياجات العاطفية غير المشبعة، بمحاولة سرقة كل ما يمثل قيمة رمزية له. بالإضافة إلى عدة أسباب بيولوجية واجتماعية.

وغالباً ما يعاني المصاب بهوس السرقة من: اضطرابات نفسية، إلى جانب اضطرابه مما يجعله يتجه للعلاج بهدف علاج المشكلات النفسية الأخرى التي يعاني منها، والقليل منهم من يتجه لعلاج هوس السرقة؛ نتيجة حرجه من الإفصاح عما يعاني، لذا فالغالبية تعاني بصمت. وهذا في حد ذاته مشكلة؛ لأن أول خطوات العلاج تبدأ باعتراف المريض نفسه بالمشكلة وسعيه لحلها. خاصة أن العلاج يحتاج لإرادة وصبر منه؛ ليتمكن من الاستمرار في تطبيق بعض التقنيات السلوكية، بالإضافة إلى العلاج الدوائي؛ للحد من الاندفاع وللتخلص من المشكلات النفسية الأخرى إن وجدت، والتي غالباً ما تكون مرافقة لهذا الاضطراب.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...