كن لنفسك الصديق المبهج للوصول للسعادة

دعوة وتربية » نوافذ
30 - ربيع أول - 1438 هـ| 30 - ديسمبر - 2016


1

كثر الحديث عن السعادة تلك الضالة المنشودة التي يلهث الناس للحصول عليها، وتختلف وجهات النظر حول السبيل إلى تحقيقها، فمنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في المنصب والنفوذ، ومنهم من يراها في النجاح المهني.

 والحقيقة أنها قد تكون في كل ما سبق، وقد تكون في تفاصيل صغيرة أيسر من ذلك، فالمقياس يختلف باختلاف الشخص. ولكن الحقيقة الأكيدة في رحلة البحث عن تلك السعادة المنشودة هو أنها غير قابلة للاستيراد.

نعم فالسعادة مُنتج محلي مئة بالمئة؛ فمن ليس لديه الاستعداد لأن يكون سعيداً لن يكون، ولو أُحيط بملء الأرض من أشخاص يريدون إسعاده، فالسعادة طاقة كامنة في النفس، يمكن للإنسان استجلابها وتفجيرها متى أراد، فيسعد بتفاصيل حياته اليسيرة، ويستمتع بكل ما أُحيط به من نعم.

لا تحاول استيراد سعادتك:

مسكين حقاً من ربط سعادته بالبشر، بإقبال أحدهم أو إدباره، مسكين من اعتمد فى إسعاد نفسه على مصادر خارجية، فلن يستطيع أحد إسعادك مادُمت أنت تفقد الرغبة في ذلك؛ لذا كن مصدر السعادة لنفسك وفرحها، كن لها الطاقة الإيجابية الباعثة على الفرح والسرور، بل كن لها الصديق الحريص المحب؛ قد يُحبك من حولك ويتمنون لك السعادة، ولكن لكل إنسان مايشغله؛ فلن تجد منهم تلك المتابعة اللصيقة التي تساعدك على الوصول لسعادتك المنشودة.

لذا لا مفر من أن تُسعد نفسك بنفسك، وتجلب الفرح إلى قلبك من داخله، وليس من أى مصدر آخر في زمن كثرت فيه المآسي، فلا تثقل قلبك بمزيد من الهم لأنه بسهولة لايستحق منك ذلك، تجاهل مايؤذيك ويُكدر صفوك ويجرح مشاعرك، كن لنفسك الصديق المُبهج.

السعادة في العطاء وفي التفاصيل الصغيرة في حياتنا:

ليست السعادة فقط في تلقي الاهتمام والحب ممن حولنا، لكن في العطاء، سعادة لايعرفها إلا من جربها؛ فالتفاعل مع مشاعر الآخرين وآلامهم وآمالهم: سعادة، السعادة في تفقد أحدهم والاهتمام بمشكلته سعادة، في إدخال السرور إلى قلوب من حولنا سعادة، الابتسام لمن نعرف ومن لا نعرف سعادة.

السعادة في أن نستمتع بالتفاصيل الصغيرة في حياتنا؛ كاحتساء فنجان من القهوة مع من نحب. أو تشارك أحد وجباتنا مع صديق مقرب في عطلة نهاية الأسبوع. أو التمشية في الهواء الطلق ونحن نستمع إلى ما نحب سماعه، ولا يغضب الله. أومهاتفة أحد أفراد العائلة، والكثير من التفاصيل الصغيرة، والتي قد نؤديها بشكل تلقائي (روتيني)؛ لكن مجرد الوقوف عندها، والاستمتاع بها يُدخل البهجة إلى نفوسنا، ويزيد من رصيد سعادتنا.

 

لاتكترث لتصرفات أحد:

          ومن أكبر مداخل السعادة إلى النفس البشرية: عدم التركيز مع تصرفات الآخرين، أو بمعنى أدق تجاهلها؛ فلو دقق الإنسان فى كل موقف يحدث معه لكانت مأساة، فبالتأكيد سيتعكر مزاجه، وتتشوه معالم الراحة والسكينة في نفسه؛ فليس من الحكمة أن ننغص حياتنا بالتفكير في كل شاردة وواردة من تصرفات البشر؛ فالأنفع هو تجاهل تلك التصرفات قدر المستطاع، وعدم التفكير فيها أو استرجاعها، لأن النفس البشرية حبيسة أفكارها، لذا فلنفكر في كل ماهو إيجابي ومبهج، فالعمر أثمن من أن نضيع لحظاته في التدقيق في تصرفات هذا، أو كلمات هذا، أو تقصير هذا.

لذا لاتعاتب أحدا، ولا تنتظر الاهتمام من أحد، فقط افعل ماعليك؛ لترضي ربك، وتكسب نفسك وسلامك الداخلي، دون الالتفات إلى ردود أفعال البشر، أو انتظار المعاملة نفسها منهم.

لا تجتر الذكريات المؤلمة:

قد يحلو للبعض دوام تذكر عذابات السنين الفائتة، أو استحضار ذكر مواقف وأزمات قد انتهت ومضى عليها الكثير من الوقت. وقد تجد آخرين يستسلمون لأحزانهم، فيعيش الواحد منهم داخل بوتقة حزنه لفترات طويلة، لدرجة تجعل الحزن يصبح رفيقه الدائم، فيعتاده بدرجة ربما تجعله يفقد شعوره واستمتاعه بأية أفراح قد تحدث له لاحقاً؛ بالتأكيد نحن بشر لنا مشاعر وتقلبات مزاجية، ولابد لنا من التفاعل مع ما يمر بنا من أزمات ولكنني أتحدث هنا عن المبالغة في التفاعل مع الألم والحزن والاستسلام لهما، بالشكل الذي يفقد الإنسان قوته النفسية، ويتركه نهباً لليأس والحزن ويحرمه مباهج الحياة التي منحنا الله إياها؛ فنحن لم نُخلق لنعيش الشقاء ولكننا خُلقنا لنؤدى رسالتنا في الحياة، بالتزامن مع الاستمتاع بهذه الحياة؛ ولم تُخلق التحديات والأزمات لتقضي علينا، بل وضعها الله سبحانه في طريقنا لتقوينا، وتعلمنا كيف نجتازها ونواجهها وننتصر عليها.

نحن مأمورون بالفرح

ومن جميل لطف الله سبحانه بالإنسان أن جعل له منطلقات ربانية للسعادة والفرح فقال عز وجل فى سورة يونس58: "قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ"، ومن المعاني الوارد فيها أن المقصود بالفضل هنا (الإسلام) والمقصود بالرحمة (القرآن)، ولاشك أنهما أكبر نعمتان أنعم الله بهما على البشرية، فإذا كنا مأمورين بالفرح، بهما فمن الأولى بنا أن نفرح بكل ماهو دونهما من نعم، ونحتفى بكل تفصيلات حياتنا كي نحصل على تلك السعادة المنشودة.

فلو تُركت السعادة تحت سيطرة البشر لتعست البشرية، ولكن جعلها الله بلطفه ورحمته شعورا داخليا لدى الإنسان، يمكنه استجلابه بنفسه لنفسه، وأمرنا بذلك وجعل السعادة قرينة الطاعة والإيمان؛ قد يمر الإنسان فى مواقف حياته اليومية بما يجلب له الحزن والهم ويفجر بداخله طاقة سلبية تحول دون شعوره بالسعادة، وقد تجتاحه مشكلة تعصف به وتقعده عن التفكير، وهنا لم يتركنا الله سبحانه نهباً لليأس والحزن بل جعل لنا من الوصفات الربانية مايدفع عنا الحزن والهم ويجلب الفرح والسكينة إلى النفس، فيستطيع الإنسان بعد ذلك أن يرتب أفكاره ويخطط للخروج من أزمته، ومن هذه الوصفات الربانية على سبيل المثال لا الحصر ماجاء فى الحديث الصحيح: عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَلْحَةَ الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ"متفق عليه.

وأخيراً: فإن مقالى ليس وصفة سحرية للسعادة، ولكنه محاولة للاقتراب من مداخل النفس وتفاعلاتها. وهذا ماتكشف لى حتى الآن من حلول قد تساهم في الوصول إلى السلام النفسي، وبالتأكيد أنت أيضاً تحاول. وسواء كنت توصلت إلى نفس حلولي، أو اكتشفت حلولاً أخرى خاصة بك، أو كنت لاتزال مستمراً في البحث، فعلى كل حال: كن لنفسك الصديق المُبهج لتصل للسعادة.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...