كونوا طيبين رُحماء لها أون لاين - موقع المرأة العربية

كونوا طيبين رُحماء

عالم الأسرة » همسات
27 - صفر - 1440 هـ| 07 - نوفمبر - 2018


1

الرحمة تلك العاطفة التي تجعل الدابَّة ترفع حافرها عن ولدها؛ خشية أن تصيبه، هي نفسها تلك العاطفة التي تجعل الإنسان يكفُّ أذاه عن أخيه الإنسان، ويَبسُط له في المعاملة؛ فيكون معه طَلْقَ الوجه، كريم الأخلاق، عظيمَ البِرِّ والإحسان. وهي رزقٌ أنزل الله منه في الأرض جزءًا قَسَّمه بين الخلائق، وجعل له تسعًا وتسعين جزءًا، سبحانه جلَّ في علاه، وهذا الجزء الذي في الأرض قد قُسِّم بين العباد بقَدَر، فمنهم من أخذه بحظٍّ وافر، ومنهم من حُرِمَه، ومنهم من كان نصيبه بين هذا وذاك.

 

وهي أساسٌ قوي لعلاقاتٍ راسخة، وما أراها إلا يَنبوع الحبِّ الصافي الذي لا تشوبه شائبة، ولا يكدِّر صفوَه تغيُّرُ أحوالٍ وأمْزِجة. كلُّ الناس قادرون على الحبِّ، لكن وحدهم الرُّحماء الطيِّبون هم القادرون على منح ذلك النوع الأسمى من الحبِّ الذي يُنتِج تناغمًا بين الطباع، وانسجامًا بين النفوس، ويكون قِوامه التفاهم، وفهم الاحتياجات واحترام المشاعر والقدرات، وينشئ كِيانًا قويًّا تُبنَى عليه علاقةٌ راسخة، تستطيع مجابهة أي عواصف ومنعطفات تمرُّ بها، وما أكثرها في حياة البشر.

 

وللرحمة صورٌ كثيرة؛ فالتماس العُذر للناس، وحُسن ظنك بهم: رحمة تقيهم وقوفهم الطويل أمامك، إثر كل تصادم بينك وبينهم، يشرحون أنفسهم حتى تتكرَّم وتقتنع بحُسن نياتهم وسوء ظنِّك، وسَعَة صدرك لهم، رحمة تقيهم تلك الضغوط العنيفة التي يتعرَّضون لها إذا وقفت لهم بالمرصاد، وكنت معهم كالجلَّاد، وسَعَة أفقك رحمة، تستطيع من خلالها فهم مقاصدهم؛ فترحمهم من تضييع أعمارهم في الشرح الطويل، وإثقال نفوسهم بالهموم جرَّاء وقوفك لهم على كل صغيرة وكبيرة تعاتب وتجادل وتتشاجر. وكظمك الغيظ أعظم الرحمة، تمنحهم به الأمان الذي يضمن سلامة النفس وصحة البدن، وبِرُّك بمن حولك وحُسن صلتك بهم بمراعاة مشاعرهم وحُسن تقديرهم وإنزالهم منازلهم، هو الرحمة في أبهى صورة، تلامس بها شِغَافَ القلوب، وتجبر بها الخواطر، وتخبر بها أحبتك أنَّ لهم في القلب مكانةً.

 

قد تسمع ممَّن حولك كلمة أحبُّك آلاف المرات، ولكنَّ موقفًا واحدًا أو عدَّة مواقف قد تُحدِث ذلك الأثر العميق الذي قليلًا ما ينمحي من النفوس، فلا ترى مواقف الحبِّ إلا في اللحظات الفارقة، تلك اللحظات التي تخبرك عن مكنون مشاعر الشخص تجاهك، وأكثر الحبِّ عند الناس كلام، لكنَّ كلَّ الرحمة مواقف، وإذا صدقت المواقف تأكَّد صدق الكلام. فالرحمة هي مانحة الأمان الأولى، ومصداقية الحب الحقيقي؛ يحدث كثيرًا أن يمكث زوج مع زوجته وقتًا طويلًا لا يقول لها فيه أيَّ كلمة حب، لكنَّ حنانه عليها واحتواءه لها، وتقديره لمشاعرها وغير ذلك من مظاهر الرحمة في حياة البشر: كلَّ ذلك يخبرها أنه يحبُّها حبًّا عظيمًا. والأمر نفسه مع المرأة، فحين تراها تحسن احتمال زوجها وهو في أسوأ حالاته، وتحتمل منه ما لا يحتمله غيرها، وتصبر صبرًا جميلًا على تغيُّر ظروفه وأحواله؛ فهي بالطبع تحبُّه حبًّا جمًّا، وإن لم تتفوَّه له بكلمات الحبِّ المنمَّقة اللطيفة التي تدغدغ المشاعر. 

 

ويحدث أيضًا أنك قد تجد من يُسمِعك أحلى الكلمات، ثم تجده في مواقف بعينها يظهر لك قسوة وتعنُّتًا ووقوفًا بالمرصاد، وقد تجده يذكِّرك بما قد نسيته منذ زمن من أخطاء صدرت منك، فيحدث في تلك الساعة ذلك الأثر عميق الألم، الذي إن لم يأتِ ما يضمِّده ويمحوه: تتأكَّد لديك مشاعر خُذلان تَفُتُّ في العَضُد، وتُثقِل النفوس، وتُوجِع القلوب، وعلى الرغم من أنَّ هناك تفاوتًا في قدرات الناس على منح الحبِّ، وتقديم الرحمة في آنٍ واحد، فإنّ ذلك لا يمنع أن نرى الحبَّ الرحيم هو الحبَّ في أبهى صورة.

 

حاولوا بكل طاقاتكم أن تكونوا طيِّبين رُحَماء؛ فوحدهم الرُّحماء هم الذين يمنحون هذا الكون كلَّ البهاء، ووحدهم الرحماء هم مَن يخبروننا أنّ الدنيا لا تزال بخير، ويمنحوننا تلك الثقة التي تحمينا من الإحباطات والأمراض النفسية، وتضمن لنا أن نتطوَّر ونبدع بأقصى طاقة لدينا، وأن نعطي في أفضل صورة.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...