كيف تقي الأم ابنتها من انحراف العاطفة!

دعوة وتربية » نوافذ
12 - محرم - 1441 هـ| 12 - سبتمبر - 2019


1

تقع كثير من الفتيات في مشكلات كثيرة بسبب الانسياق وراء العاطفة، إما بجهل أو بالتأثر بالغزو الفكري أو التأثر بالمفاهيم المغلوطة التي تحاول وسائل الإعلام نشرها عن طريق القصص الغرامية، أو التأثر بأفلام الحب أو المسلسلات الرومانسية التي رسخت المفاهيم المغلوطة في أذهان الشباب ومنها: أن الزواج لا يأتي إلا بعد قصة حب، وتجيز هذه الوسائل العلاقات العاطفية وتسميها علاقة عاطفية بريئة.

فهل إقامة علاقة حب بن شاب وفتاة، هو أمر مخالف للشرع، حتى لو كانت العلاقة الهدف منها الزواج؟

وبعض الفتيات تطرح هذا السؤال ـ الذي ينتشر كثيرا ـ على أمها فتقول: هل صحيح يا أمي الفتاة لابد أن تمر بعلاقة حب قبل الزواج؟ أقصد: الحب الطاهر الشريف بنيّة الزواج؟ وماذا عن التعارف عبر الإنترنت أو في الجامعة؟  استمعت الأم لابنتها، وظلت متحيرة أمام تلك أسئلة، تريد أن تعرف ما هي الإجابة الصحيحة في مثل هذا الموقف؟

وكيف تقي ابنتها من انحراف العاطفة وجنوح المشاعر؟

عزيزتي الأم:

كلام البنات حول "الحب" يدل علي وجود  كم من المغالطات الراسخة حول مفهوم الحب، أولها تلك الأسطورة التي روجتها الأفلام والقصص عن قصة الحب العنيفة بين شاب وفتاه تنتهي بالزواج، ويصبح هذا هو الحلم الذي تتمناه وتنتظره وتبحث عنه الفتاه في كل من يقابلها.

فهل هذا هو الحب الذي فطر الله النفوس عليه، وجعل القلوب تتدفق به ؟ بالطبع لا.. ليس هو..!!

الحب ثمرة رائعة تنبت في حديقة الزواج، وتروي بماء حسن العشرة وتحاط بسياج الشرعية والعلانية ورضاء الأهل، أما تلك المشاعر المسروقة والمفتعلة والتي يدخل فيها الغش والوهم والتجمل الكاذب بنسب كبيرة فليست سوي شَرَك خداعي تنصبه الفتاة لنفسها ويكبل قدميها ويعيق خطوها الصحيح.. فلماذا تبحث الفتاة عن تلك المعادلة الخاطئة: حب شريف يتوج بالزواج؟ ولماذا لا نجعل المعادلة: زواج متكافئ يتوج بالحب الشريف؟  (إيمان القدوسي: مقالة بعنوان "مشاعر مسروقة")

حاجة الفتاة الفطرية إلى الحب:

إنّ الفتاة في مرحلة المراهقة تحتاج إلى والديها [وخاصة الأم] أكثر من أي وقت مضى تحتاج إلى الحب والاهتمام، و إلى أذن تسمعها لتبثّها همومها ومشاعرها؛ نظراً لأنّ هذه المرحلة لها أهميتها في تكوين الشخصية السوية للإنسان، كما تتميز بالعاطفة الجيّاشة التي ينقصها النضج والخبرة الكافية، فهي تغضب بسرعة وتصفو بسرعة، وتميل لتكوين صداقات مع الجنس الآخر وتتمنى وتحاول أن تدخل في ما يسمى بقصة حب..!! ومن هنا تحدث المشكلات.

لماذا تنحرف عاطفة الفتاة؟

- ضعف التربية الإيمانية للفتاة:

فكثير من الفتيات لا يعرفن أنّ للعواطف عبودية، وأن المحبوب الأكبر في قلب المؤمن والمؤمنة هو الله تعالى، قال تعالى :"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ" – سورة البقرة:165- و ينتج عن ذلك أن الفتاة لا تشعر بلذة العبادة؛ فتبتعد عن مجالس الذكر، وتقصّر في نوافل العبادات، وبالتالي يكون الوازع الديني في نفسها ضعيفاً، وتكون محبة الله تعالى في قلبها ليست في المرتبة الأولى؛ فتجتاح قلبها الصغير الأغرّ عواصف الأهواء يميناً ويساراً.

- الشعور بالدونية وانخفاض تقدير الذات:

أثبتت الدراسات الأكاديمية أنّ السبب الأول في معظم حالات الانحراف والفشل؛ دراسي، اجتماعي، خلقي، عاطفي... يرجع إلى الشعور بالدونية وانخفاض تقدير الفتاة لذاتها؛ فهي في الحقيقة مهلهلة من الداخل، لكنها تخفي ضعفها وشعورها بالدونية، وهذه الفتاة تكون في حالة تعطش شديد لمن يرد لها اعتبارها، ويمنحها الشعور بقيمتها في الحياة، فنجد أنّ مناعتها (صفر) أمام أي ميل أو كلمة إعجاب من الجنس الآخر، ومن السهل جداً أن تتحول مشاعر الميل إلى عاطفة قوية يصعب السيطرة عليها من البنت نفسها قبل أي طرف خارجي..!

- وسائل الإعلام:

في دراسة علمية أجريت على عينة بلغت خمسة آلاف من المراهقين والمراهقات ذكر نحو70% من الفتيات أنهن يتأثرن بشكل بالغ بالممثلات والمغنيات، وأبرز نقاط التأثر هي الملابس، وقصّات الشعر، وطريقة الحديث، وأنماط المعيشة وما تعكسه من قيم ومثل وأفكار وثقافات.

كما ذكر نحو80% من الأولاد أنهم يتأثرون بالرياضيين كلاعبي كرة القدم والمصارعين، وأكد نحو65% منهم أنهم يتأثرون بالممثلين، وأكد جميع أفراد العينة أنهم يتأثرون بشكل أو بآخر بما يتلقونه عبر وسائل الإعلام المختلفة.

 الإنترنت:

وهو العوالم الجديدة التي دخلت حياة الفتيات - في عصرنا - إلى داخل غرفتها الخاصة، وجعل سبل الاتصال بالعالم المفتوح بلا حدود ولا ضوابط يقدر فيها الصالح من الطالح.

- الصحبة السيئة:

رفيقات السوء من أهم أسباب انحراف الفتاة عاطفياً، والذي يترتب عليه غالباً الانحراف الخلقي، حيث تزين صديقة الفتاة لها الأمر، وتحكي لها مغامراتها مع من تحبه؛ مما يكرّس لفكرة أن الحياة لا تكون جميلة بدون هذا النوع من الحب في ذهن الفتاة؛ ومن ثمّ تبدأ في التقليد والمحاكاة لها. وإذا ازداد الأمر سوءاً وكان الانحراف العاطفي من نوع التعلق بنفس الجنس مثل تعلق الفتاة بزميلتها، أو مدرستها تعلقاً مرضياً، فهذا قد يفضي إلى انحرافات خلقية فادحة قد تصل إلى هاوية الشذوذ، عياذاً بالله.

والوقاية تأتي مبكراً.. من خلال النقاط التالية:

- الاهتمام بطفولة البنت:

يذهب كثير من الباحثين إلى أن المراحل الأولى من نمو البنت  -وخاصة في الجانب النفسي - هي أهم مرحلة في بناء شخص الفتاة، وإذا علمنا أن السنوات الخمس الأولى من عمرها إنما تقضيها بين أحضان أسرتها، فإن المسؤولية الوالدية تتأكد في هذه المدة،

و إنّ من أهم واجبات الوالدين تجاه البنت: توفير الدفء و الحنان و الشعور بالأمان و الرعاية النفسية بما يجعلها تقتنع بأنها في عالم لا ترغب في التمرد عليه أو الاستغناء عنه، أو البحث عن بدائل أخرى أكثر تجاوبا و تفهما لنفسيتها و حاجاتها. (د.عدنان حسن باحارث: ملف التربية الخلقية للفتاة:موقع د.عدنان باحارث على شبكة الانترنت).

- الإشباع العاطفي للفتاة داخل الأسرة:

بشكل متوازن وحميم في الوقت نفسه، وقدوتنا في الطريقة المثلى لتربية البنت والعناية بوجدانها ومشاعرها المرهفة هو خير من ربى البنات والبنين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كانت بناته وحفيداته وربيبته محل اهتمام ورعاية كبيرين منه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما وحديثاً من فاطمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت إذا دخلت عليه رحّب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه". (رواه الحاكم وقال:حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح )

-  الوالدان هل يفهمان المرحلة التي تمر بها الفتاة:

الفتاة المراهقة تملك ما يملكه الكبار من أنواع الانفعالات، وتدرك ما يدركه الكبار من الشعور بالاستثارة العاطفية، فهي تحب وتكره، وتهدأ وتغضب، وتتأنى وتتعجل، وتجرؤ وتخاف، ولهذا فهي لا تستقر في انفعالاتها ولا تكون واقعية في التعبير عنها..وهذه الميزة لدى الفتاة المراهقة من الاستعداد الكبير للاستهواء، وسرعة الاستثارة، وهشاشة الانفعال، وغزارة العاطفة، والفراغ النفسي المستعد للامتلاء لابد أن يوجّه من قبل الوالدين إلى الوجهة الصحيحة السليمة، ويضبط ليخرجا فتاة قوية، طموحة، منضبطة، متعلقة بالمثل العليا، والنماذج الرائعة في تاريخ أمتها.. تعرف كيف ترحم؟ ومتى ومن ترحم؟ وكيف تحب؟ ومن تحب؟ ولماذا؟ ..وهكذا. (حنان الطوري: دور الوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة،ص:235).

- بناء الرقابة الذاتية في نفس الفتاة:

في سن الخامسة عشرة وما بعدها – وهي توافق المرحلة الثانوية والجامعية – تكون استعدادات المراهق- المراهِقة- العقلية والنفسية في حالة تكامل ووعي؛ فإذا استثمرت هذه الاستعدادات أمكن بناء المراقبة الذاتية في شخصيتها مبكراً، ولعل ذلك يظهر جلياً من خلال تربية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه الفتى الصغير "عبد الله بن عباس" رضي الله عنهما في هذا التحدي العظيم: عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال لي: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" - رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني- (د.عبد العزيز النغميشي: علم نفس النمو،ص:238)

وأخيراً عزيزتي الأم

إنّ تربية الفتاة على التدين منذ الصغر هو صمام الأمان الذي يغرس في نفسها الثقة بالنفس، وأنها أهل للمسئولية الأدبية تجاه نفسها ووالديها وأمتها بحفاظها على سيرتها الحسنة وسمعتها الطيبة.. حفظ الله بنات المسلمين من كل سوء. آمين.

المراجع:

-           التربية الخلقية للفتاة المسلمة: د.عدنان حسن باحارث.

-           الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: حنان عطية الطورئ.

-           علم نفس النمو: د.عبد العزيز النغميشي.

-           مقال بعنوان "مشاعر مسروقة": إيمان القدوسي – شبكة الانترنت.

 

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...