كيف تنجحين في تربية طفلك؟: دروس هامة من أطول دراسة تربوية

دعوة وتربية » نوافذ
01 - محرم - 1440 هـ| 12 - سبتمبر - 2018


1

كثيرون ممن حولنا لديهم أطفال، لكنهم للأسف لا يعرفون ماذا يفعلون مع أطفالهم، الجميع يريد لأطفاله أن يكونوا سعداء وأصحاء، وفي هذا السبيل يحاولون الاطلاع على كتب تربوية، أو يقرؤون في التربية، لكن للأسف الشديد كثير من هذه الكتب والمقالات التي نقرأها تتضمن آراءً متضاربة، قد تصل إلى حد التناقض، الأمر الذي يزيد من الحيرة والقلق وعدم الثقة.

الخبيرة التربوية

الخبيرة التربوية البريطانية "يلين بيرسون"(*) مؤلفة كتاب: "مشروع الحياة" عانت من المشكلة نفسها، لكنها تمكنت من التغلب عليها بعد اطلاعها على دراسة مسحية، قام بها علماء بريطانيون على مدار سبعين عاما على آلاف الأطفال، حيث يمكن من خلالها المقارنة بين الأطفال، وفحص المعلومات التي جمعت للتعرف على الأطفال الذين تفوقوا في دراساتهم، والأطفال السعداء والأصحاء والذين أصبحوا أغنياء، والذين كافحوا في حياتهم، وسبب اختلاف حياتهم.

 

قصة الدراسة:

هذه الدراسة البريطانية بدأت في عام 1946م، بعد بضعة أشهر فقط من نهاية الحرب، عندما أراد العلماء أن يعرفوا كيف يمكن لامرأة لديها طفل: أن تتعامل وتتكيف مع هذه الأجواء، في ذلك الوقت قاموا بإجراء هذا المسح الضخم للأمهات، وانتهى بهم الأمر إلى تسجيل ولادة كل مولود تقريباً في إنجلترا وإسكتلندا وويلز في أسبوع واحد.

كان عدد ما تم تسجيله  يقرب من 14000 طفل. الأسئلة التي تم طرحها على هؤلاء النساء تختلف كثيرًا عن الأسئلة التي قد نطرحها اليوم، نجحت التجربة فتم تكرارها في عام 1958م وفي عام 1970م، وفي عام 1990م، ومرة أخرى في مطلع الألفية، وفي كل مرة كانوا يسجلون آلاف المواليد.

إجمالي من تم تسجيلهم خلال هذه الدراسات عبر تلك الأجيال الخمسة: تجاوز 70000 طفل، وقد كان العلماء يسجلون المزيد من المعلومات كل بضع سنوات عن هؤلاء الناس. كمية المعلومات التي تم جمعها حتى الآن على هؤلاء الناس محيرة تماما. حيث تشمل الآلاف من الاستبانات الورقية، كما اشتملت على بنك ضخم من عينات الأنسجة، والتي تشمل أجزاء من الشعر، قصاصات الأظافر، أسنان الطفل والحمض النووي. لقد قاموا حتى بجمع 9000 مشيمة من بعض الولادات.  

أصبحت البيانات ذات قيمة كبيرة بالنسبة للعلماء، وتم تأليف ما يزيد على 6000 ورقة أكاديمية وكتاب، لكن الاكتشاف الأكثر أهمية في هذه الدراسة: يتعلق بكيفية استخدام العلم لتقديم الأفضل دائما لأطفالنا.

أهم نتائج الدراسات:

            الدرس الأول: هو أن ظروفنا الحياتية في سن مبكرة يكون لها أثر عميق على الكيفية التي تسير بها باقي حياتنا، فأكبر رسالة تم الحصول عليها من هذه الدراسة: أن التنشئة في ظروف صعبة ستجعل من مسيرتك في الحياة أكثر صعوبة، فالأطفال الذين ولدوا لأسر فقيرة، أو أبناء لأسر الطبقة العاملة في الأغلب واجهوا صعوبات في حياتهم، أكثر من غيرهم، وكان أداؤهم في المدرسة الأسوأ، وانتهى بهم الأمر في وظائف سيئة، وكانوا أقل قدرة على كسب المال.

في المقابل: فإن الأطفال الذين لديهم بداية أكثر رفاهية وقوة في الحياة: هم أكثر عرضة إذا تقدم بهم العمر، لأن يصبحوا غير صحيين، وهم أكثر عرضة لزيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم، وبشكل عام يعانون بعد ذلك من ضعف عام في الصحة.

لكن ليس كل شخص يبدأ بداية صعبة، ينتهي به المطاف في ظروف صعبة. فالعديد من الناس كانت بدايتهم صعبة، ولكن انتهى المطاف بهم بشكل جيد رغما عن كل شيء.

الدرس الثاني: الوالدان كان دورهم محوري في هذه الدراسة، خصوصاً في السنوات الأولى من عمر الطفل، فالآباء المهتمون، أصحاب الطموح والآباء الحريصون على مستقبل أبنائهم: كان تأثيرهم في نجاح أبنائهم مهما لدرجة كبيرة.

          في إحدى الدراسات: بحث العلماء فيما يقارب 17.000 طفل ولدوا في عام 1970م. وقاموا بتحليل جميع البيانات التي جمعوها، في محاوله لمعرفة ما الذي سمح لأطفال كانت لديهم بداية صعبة في الحياة على المضي قدما، والأداء بشكل جيد في المدرسة والتغلب على الصعاب؟.

أشارت البيانات إلى أن أكثر الأمور التي لها تأثير: هو وجود والدين مهتمين وحريصين على أبنائهم، خاصة مراحلهم الأولى في الحياة، حيث كان لذلك تأثير جيد على الأولاد في المدرسة.

كانت هناك أمور يسيرة، يقوم بفعلها الوالدان، ارتبطت بشكل كبير بنتائج الأطفال، نحو التحدث والاستماع للطفل، والتجاوب معه بشكل ودي، تعليمهم الحروف والأرقام، أخذهم في الرحلات والزيارات، يبدو أن القراءة للأطفال كل يوم مهمة جدًا أيضًا. إذ في إحدى الدراسات: كان الأطفال الذين يقرأ آباؤهم لهم يوميًا عندما كانوا في الخامسة من العمر، ثم أظهروا اهتمامًا بتعليمهم في سن العاشرة: أقل عرضة للفقر في سن الثلاثين، مقارنةً بالأولاد الذين لم يقم آباؤهم بهذه الأشياء.

في هذه الدراسة: نظر العلماء إلى النظام (الروتين) اليومي لوقت النوم لنحو 10.000 طفل وُلدوا في بداية الألفية. حيث تحليل سلوك الأطفال الذين يذهبون للسرير في أوقات منتظمة، أو يذهبون للسرير في أوقات مختلفة خلال الأسبوع؟

أظهرت البيانات أن الأطفال الذين يذهبون للسرير في أوقات مختلفة: كانت لديهم على الأغلب مشكلات سلوكية، بينما الذين لديهم ساعات نوم اعتيادية: أظهروا تحسنا في السلوك.

من النتائج الأخرى الهامة في هذه الدراسة: أن الأطفال الذين كانوا يقرؤون من أجل المتعة في سن الخامسة والعاشرة، بمعنى أنهم التقطوا مجلة، أو كتاب مصور، أو كتاب قصص، على الأرجح أداؤهم في المدرسة كان بشكل أفضل، وأيضا في الاختبارات المدرسية، ليس فقط اختبارات القراءة، بل اختبارات الإملاء والرياضيات أيضًا.

لقد حاولت هذه الدراسة: السيطرة على جميع العوامل، لذلك تعاملت مع الأطفال الذين كانوا على القدر نفسه من الذكاء ومن الخلفية الاجتماعية نفسها، بمعنى كانت جميع العوامل متشابهة ما عدا عامل القراءة، لذا بدا الأمر كما لو كانت القراءة هي التي ساعدت هؤلاء الأطفال، ليحققوا نتائج أفضل في تلك الاختبارات المدرسية في وقت لاحق من حياتهم.

ماذا يعني كل ذلك؟

يجب أن يكون هناك بعض العلم في تربيتنا لأطفالنا، والانتباه بأن كل ما علينا فعله لننشئ أطفالا ناجحين وسعداء: هو الحديث معهم، والاهتمام بمستقبلهم، ووضعهم في السرير في الوقت المحدد، وقراءة  كتاب يوميا معهم؟ هكذا ستكون وظيفتنا كاملة.

بطبيعة الحال الأمور ليست بهذه السهولة. لكن ما أريد الإشارة إليه: أن هذه الدراسة تبحث فيما يحدث لآلاف وآلاف الأطفال في المتوسط، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا يحدث للجميع. في النهاية: كل طفل من أطفالنا سوف يسير في طريقه الخاص، وهذا الطريق نتاج لعوامل وراثية، وبالتأكيد التجارب التي مروا بها خلال حياتهم، بما في ذلك تفاعلهم معنا.

أخيرا:

تقول المؤلفة والصحفية هيلين بيرسون: سأخبركم ما فعلت بعد أن تعلمت كل هذا: لقد أدركت أنني كنت مشغولة بالعمل، فقمت بتحديد وقت للكلام  في المنزل، وهو عبارة عن 15 دقيقة في نهاية اليوم أتحدث مع الأولاد، أحاول أن أسالهم ما الذي قاموا بفعله اليوم، وأُظهر لهم بأنّي أقدر ما يفعلونه في المدرسة بالطبع، أتأكد من أن لديهم دائمًا كتابًا للقراءة. أخبرهم أنني طموحة فيما يخص مستقبلهم، وبأنهم يستطيعون الحصول على السعادة، وإنجاز أمور عظيمة. لا أعلم إن كان أي من ذلك سيصنع أي فرق، ولكنني واثقة جداً أنه قد يكون مفيدا لهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أصل هذا المقال محاضرة ألقتها "يلين بيرسون" ، يمكن الاطلاع عليها عبر الرابط التالي : https://www.ted.com/talks/helen_pearson_lessons_from_the_longest_study_on_human_development/transcript#t-56527

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...