كيف تنمين موهبة الكتابة لدى المراهقين؟

تحت العشرين » إبداع بلا حدود
18 - محرم - 1436 هـ| 11 - نوفمبر - 2014


1

ما زالت صورتي في مراحل الدراسة المختلفة، و أنا الغارقة في سرير ممتلئ بالكتب، تُرسم في بالي فأبتسم لها, و ما زلت أعتقد جازمة أن مكتبة والدي الثرية و النابضة - بكل جميل و مختلف.. قديم و حديث.. و كل ما لذ و طاب من صنوف الأدب، و كتب العلوم و السياسة- و التي انتقلت إلى غرفتنا اضطراراً, و سكنت بجوار سريري الأبيض الصغير الدافئ، هي ما رعى بذرة ورثتها عن والدي الذي لم يفارق الكتاب يوما يده.

لقد كانت البيئة مهيأة بالفعل لابنة شاعر و كاتب, تسكن بجوار الكتب, و تنام بينها, أن تهوى الحرف و تحبه، و تشعر بلذة صحبته و جمالها و بهجتها.

 ماذا عن الكتابة؟!..

الحديث عن الكتابة دوماً، ذو شجون، وفيه سحر وجمال و ألق. و لحن عذب لا يصفه حرف.

و هي الهواية. والرفيق. و الطريق. و الهدف. و الغاية. وهي الأمل، و ذلك المخلص. و الباعث. و مقياس تطور الأمم و قوتها و تأثيرها على الأمم الأخرى، و موقعها بينهم.

و يكاد يجمع العالم على أن اهتمام المجتمع بالكاتب, و بالكتاب, و حض الموهوب على الكتابة, و تقديرهم له، هو كذلك المقياس, و الدليل على النقطة التي وصل إليها ذلك المجتمع في سلم الرقي و درجته.

الكتابة أصل في النفوس و ليست دخيلا عليها.

مما لا شك فيه أن الكتابة هي موهبة و بذرة كامنة في بعض النفوس, و ليست مما يتم غرسه فيها, بل إن وجودها أصيل متجذر؛ لكنه كامن يحتاج بعض الماء لينمو و يكبر و يثمر.

سألت العديد من أصحاب القلم عن تلك الشرارة الأولى، التي أنبتت بذرة الكتابة في نفوسهم، فكانت الإجابات ذاخرة بالجميل المفيد النافع لكل أسرة أرادت أن ينبع ماء الكتابة بين يدي أطفالها.

 

دوما ..البيئة هي المعول عليه

فعن بدايات علاقته مع الحرف و الكتابة، قال الشاعر العراقي مكي نزال مجيباً:

والدي معلم ومدير مدرسة وداعية إسلامي واجتماعي, و أخي الأكبر كاتب ومهتم بالأدب كثيرًا, والمدرسة كانت جوًا راقيًا لتنمية الكتابة بالمطالعة، فلقد كنا نقرأ قصة (في كتيب) كل أسبوع، ونسمع الشعر من معلمينا (كل ذلك بدأ في المرحلة الابتدائية).

وهكذا كنت أهم بالكتابة للتعبير عن مكنونات نفسي، في مرحلة مبكرة توّجت بأول قصيدة لي في سن دون الرابعة عشرة.

كانت كتاباتي دينية واجتماعية في درس التعبير، لكن الذي نقلني لمرحلة التعبير الفني والشعر هو عنوان لموضوع تعبير وكان: (أنا والليل وأوراقي).

كتبت والعنوان يغمرني دهشة، فنلت جائزة المدرسة لتلك السنة تحت عنوان: (لإجادته كتابة السهل الممتنع).

ثم وجدتني أكتب قصيدة (يا عالم يا طوفانًا يجر فنفسه).

واستمر القلم........

 

 

الحرب لا تدفن الموهبة بل تنميها.

حدثنا الكاتب اللبناني طارق البكري عن هذا قائلا:

نشأت في لبنان، بين حرب ودماء ودمار، لكني كنت أحب القراءة باستمرار وأعشق الطبيعة, لم تتم تربيتي بشكل مركز نحو الكتابة، لكني أحببت القراءة والاشتراك بالمجلات, وقرأت جميع مؤلفات جبران وأنا في العاشرة. وحفظت قصيدة المواكب في الصغر، و لم أكتب إلا بعد قراءات كثيرة، لا كما يحدث أن يجد الإنسان نفسه كاتبا فجأة دون قراءات سابقة، ودون محاولات عديدة.

وفي الكشافة وكان عمري 14 سنة، عملت مجلة صغيرة من 8 صفحات، كنت أكتبها وأرسمها وأصممها وأطبعها على الآلة الكاتبة، وأصورها بآلة التصوير، وأوزع منها 50 نسخة، أصدرت منها 3 أو 4 نشرات.

و قد كتبت مرة قصيدة موزونة، وكنت بالصف السابع، لم يهتم بها أستاذ اللغة العربية، بينما طلب مني أستاذ الرياضيات قراءتها أمام الطلاب فتشجعت.

وهذا الأستاذ هو الآن معي على صفحتي، وقد شكرته عدة مرات على موقفه معي قبل أكثر من 30 سنة، و هو الآن مدير مدرسة.

 

و عن تشجيع الأهل و دعمهم و بث الثقة

 

يقول  الشاعر الفلسطيني "يوسف أحمد أبو ريدة":

نعم هناك ما شجعني على الكتابة والخطابة والإلقاء، وقد كان والدي رحمه الله، يحب العلم العلماء، ويأمل أن يكون ابنه الكبير يوسف كبيرا في هذين الفنين، وقد كان يفسح المجال لي في البيت- وهو الشيخ الأمي- أن ألخص له وللعائلة ما أقرأ، وأذكر أنني كنت أقرا من كتابات الشيخ كشك في البيت، وألقيها خطيبا، من مكان مرتفع في البيت، كنا نسميها صندوقا، كنت أشعر بنفسي وهيبتي هناك من علٍ، حيث ألقي بصوت خطابي، وكان أبي والكل يستمع لي باهتمام وتشجيع، وبخاصة حين يكون فيما قرأت شعر ألقيه بطريقتي، وربما ناقشوني فيما قلت، وعززوني بما يجب.

كما أذكر أستاذ اللغة العربية في الصف التاسع الذي اكتشف فيّ موهبة الكتابة. فكان يقول لي الحصة كلها لك إن كتبت جديدا فاقرأ علينا, ومن المثير أن أقراني في الصف كانوا يرجونني أن أكتب، لا من أجل الاستمتاع فحسب، بل لتضيع دروس اللغة والإملاء الجافة, ذات يوم قال لي بعد كتابة أسطر سميتها يومها شعرا، قال:

 "ستكون شاعرا يا يوسف، وأريدك أن تهدي إلي ديوانك الأول".

وهذا ما كان، فقد خصصته بإهداء ديواني "اكتب بجرحك ما تشاء".

 

و عن أثر البيئة و التشجيع الخارجي و الداخلي أيضا:

حدثنا الشاعر و الكاتب المصري خالد الطبلاوي:

ليس هناك موقف معين، ولكنها عوامل عديدة كونت عندي هذه الموهبة منها:

والدي رحمه الله كان عملاقا في اللغة، وكان يروي لنا أشعار السابقين والمعاصرين، لدرجة أنه كان يحفظ ملاحم كاملة، فكان أن أحببنا الفصحى وهذا هو المدخل الأول.

 أما المدخل الثاني: فهي القصص التي كنا ننام عليها، من حكايات أمي ـ رحمها الله ـ فكانت منمية للخيال، موسعة للمدارك. هذا بالإضافة إلى طبيعتي التي تميل إلى الطرب، فكنت أتأثر بكل موزون وأحاول أن أقلده.

و لعلها ما فعلته وأنا صغير من إرسال تهنئة بالعيد إلى الرئيس (السادات) وكنت أيامها في المدرسة الابتدائية؛ فرد علي المعايدة، فكان ذلك مشجعا لي على الكتابة والمواجهة.

هذا بالإضافة إلى أن الكتاب كان متوفرا في بيتنا بكثرة، و"الأسد بضع خراف مهضومة".

 

 وعن أثر المعلمين و المدرسة و الإخوة 

 تقول القاصة الفلسطينية مريم الضاني:

أول إنسان شجعني في الجامعة، معلمة المقالة الإنجليزية، لاحظت سرعتي في كتابة المقال، فبمجرد ما تقول اكتبوا عن موضوع كذا، أبدأ أنا بالانهماك في الكتابة, وأنهي المقال قبل أن تنهي شرحها لما تريده منا في المقال، فكانت تكتب لي عند تصحيح مقالي:

"ستكونين كاتبة جيدة في المستقبل".

 كذلك معلمة الشعر الانجليزي، فوجئت بقصيدة كتبتها في مدح ووداع الجامعة ومعلماتي، وقالت لي وهي تشد على يدي:

"أنت شاعرة حقيقية".

 هناك أيضا أديبة فلسطينية اسمها (آمال جودة) صديقة أختي الكبرى، قرأت كتاباتي في صغري، وتنبأت بأنني سأصبح كاتبة جيدة.

 ولحسن الحظ وجدتني بالصدفة بعد 30 سنة في النت، ووجدتني قد أصبحت كاتبة فعلا، وهي معي في صفحتي اﻵن.

نسيت أقولك: كنت أنا وأختي نورا في صغرنا نكتب ونقرأ لبعض، ونشجع بعضنا, ففي يوم أختي كتبت قصة طويلة, وبكيت أنا عليها من التأثر.

 أنا كتب الله لي أن أخرج جمرة كتابتي في مرحلة متأخرة, لكن أختي لم تخرج جمرتها؛ بل سرقتها دوامة المسؤوليات اﻷسرية الثقيلة, وهموم اﻷبناء, و والله لو اهتمت  بالكتابة، ﻷصبحت اﻵن شاعرة وقاصة كبيرة.

 

و عن أثر مخالطة أهل الأدب و الحرف أقول:

 

عندما كنت أرى أصدقاء والدي من الشعراء و الكتاب يهدونه مجموعاتهم الشعرية و القصصية, و هذا الكم الهائل من الكتب لهم حولي، فأعشق الكتابة مثلهم، و أستمتع برفقة حروفهم,  وكنت أرى حياة الكتّاب الرائقة المختلفة عن حياة البشر العاديين الذين تشغلهم هموم اللقمة و غيرها؛ فكان أن أحببتهم و أحاديثهم و أسلوبهم في الحياة، و قررت ألا أخرج من هذا الجو مهما حييت، و أن أكون و أبقى واحدة منهم.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...