كيف نربي أولادنا بالقرآن

دعوة وتربية » نوافذ
20 - ذو القعدة - 1439 هـ| 02 - أغسطس - 2018


1

إن الله تعالى أنزل القرآن الكريم ليكون نوراً وهدى للمؤمنين في الدنيا والآخرة، أنزله عز وجل ليكون منهج حياة، يستقي منه المؤمن مواقفه، ويعايش آياته ويتعبد الله به: يقيم حروفه ويقيم حدوده، يعمل بأمره وينتهي بنهيه.

لذلك كان من الضروري تنشئة الجيل المسلم والطفل خاصة على آيات القرآن الكريم، ليس حفظاً فقط، بل فهماً لمعانيه، وعملاً بأوامره وبعداً عن نواهيه.

* لماذا القرآن الكريم؟

القرآن الكريم كلام الله عز وجل، منزل غير مخلوق بخلاف غيره من الكلام؛ لذا كان له أثر عظيم على النفوس. ثم هو وسيلة فعالة في تربية المؤمن، وخاصة الطفل الصغير الذي ما زالت فطرته سليمة، واستعداده قوي لقبول مايلقى عليه من الحق.

ناهيك أننا متعبدون بتلاوته وقراءته، ولنا في كل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وهذا لا يكون إلا لكلام الله عز وجل "القرآن العظيم".

* هل يستوعب الطفل آيات القرآن ويفهم معانيها؟

يجب آلا نقلل من قدرات أطفالنا، ونقلل من شأنهم، فالطفل يدرك ما يحيط به، ويفهم الكلام الملقى عليه بحسبه.

ثم إن الله تعالى تكفل بتيسير القرآن لكل أحد، كما قال عز وجل: "وَلَقَدْ يَسّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مّدّكِرٍ" [سورة القمر : الآية: 17].    

والطفل أيضا يخاطب بالآيات القرآنية بحسب ما يدركه، وبحسب ما يمليه الموقف وبالتكرار والتربية على ذلك وتبسيط المعلومات له يفهم الكثير. ولعل هذا يتضح أكثر عند عرض المواقف.

* كيف يمكن أن نربي الطفل على القرآن الكريم؟

نربيه من خلال المواقف اليومية المتكررة وما أكثرها، بل حياتنا كلها مواقف. فيربى الطفل على آيات القرآن، بأن يخاطب الطفل بنص آية يتناسب معناها مع الموقف لتوجيهه وتقويم سلوكه.

ويحسُن في البداية إفهام الطفل - بحسب مرحلته العمرية - معنى الآية، أو قصتها إن كانت مرتبطة بقصة أو سبب نزول، ثم بعد ذلك تكرر عليه الآية منفردة إذا تكرر الموقف.

وإن لوحظ عدم استيعابه لمعنى الآية، يعاد شرحها للطفل ونيسر المفهوم ليدركه، ثم تكرر منفردة، كلما تكرر الموقف.

والطفل سريع البديهة يفهم ويستوعب ما يلقى عليه، ثم إن مستوى الطفل اللغوي والمعرفي والذهني يكون بحسب ما يربى وينشأ عليه، وهذا ملاحظ مشاهد.

وفي بداية تطبيق هذا المنهج ينبغي مراعاة عدة أمور:

1-مراعاة التدرج في بداية التطبيق: موقفاً موقفاً، فإذا تعود على الموقف الأول، واستجاب للنص القرآني: انتقل إلى غيره.

2- ينبغي مراعاة عمر الطفل، فما دون الخامسة يختلف عما فوقها، وما فوق العاشرة يختلف عما دونها في إدراكه واستيعابه، ومن ثم استجابته، فلا بد من ملاحظة ذلك وتقديره.

3- إن الأطفال فيما بينهم يختلفون في مدى إدراكهم واستجابتهم، فلا بد من التنبه لذلك وتذكره.

4- على الأم (المربي) ملاحظة مدى استجابة الطفل، فيزيد أو ينقص من استعمال الآيات بحسبه، ويتدرج فيه حتى تكون حياتنا وحياة أطفالنا قوامها القرآن الكريم، ونرتقي بالعمل به لنصل إلى ما كان عليه قدوتنا وأسوتنا محمد صلى الله عليه وسلم حينما وصفته عائشة رضي الله عنها: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ"رواه مسلم. فهاكِ أختي الأم أخي المربي نماذج من المواقف اليومية، وما يتناسب معها من الآيات القرآنية التي تقوم سلوك أولادنا وتربطهم بالقرآن منهجا لحياتهم:

* بعض الآيات القرآنية والمواقف اليومية:

1 .عندما يُحدث الطفل أو مجموعة الأطفال ـ نتيجة لعبهم بالألعاب ـ المكعبات ـ فوضى أو: إن رأت الأم شيئاً مرمياً في الأرض أوراق مثلا – ولا يشترط أن يكون الطفل هو المتسبب فيه – رأت – الأحذية عند المدخل غير مرتبة –، درج الملاعق غير مرتب... إلخ، تنادي فلذة كبدها، وتقول بكل حب: انظر الدرج، الأرض، الأحذية ..الخ، ما رأيك؟

قال تعالى: " ِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ" [سورة الأعراف: الآية 170]  من يفوز بالأجر؟ وتقولها بصوت معبر وتكرر الآية، أو تبين معناها بأسلوب يسير إن لم تجد استجابة، وتركز على الأجر، وتنادي: هيا نصلح ما قد أفسد، ونعيد كل شيء إلى مكانه.

 وما أجمل أن تقول: لنشترك أنا وإياك في الأجر عند الله، فيشتركان في العمل لإصلاح الوضع وترتيبه.

وتستعمل اللفظ المشتق من الآية (المصلحين) (نصلح) حتى يستوعب الطفل ويمتثل للآية.

وقد تتكرر المواقف وتتعدد، وقد يكون الطفل متسببا في الإفساد الحاصل أو غير متسسب، وتكرر الآية لكل مافيه إصلاح مع ترغيب الطفل في الأجر، وكما قلنا يستعمل اللفظ المشتق من الآية، ليحدث الربط في ذهن الطفل بين الآية والتطبيق.

2. عندما يجلس الطفل لينجز واجبه المدرسي، أو ليرتب سريره، وينظم ألعابه، أو يساعد أمه في عمل فطائر .... إلخ، تجد الأم (المربي) قصوراً في أدائه، فتوجهه قائلة: قال تعالى: "إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً " [سورة الكهف : الآية : 30] وتؤكد بصوتها عند كلمة "أحسن" ثم تقول: أحسن شيء، أحسن خط، أحسن ترتيب، أحسن عمل، من أجل أن نأخذ أحسن أجر.

وننبه أن الأم (المربي) يراعي مرحلة الطفل العمرية وقدراته، وتشجع الطفل أن يبذل طاقته وجهده حتى لا يشعر بالإحباط .

وأؤكد على ضرورة استعمال اشتقاق اللفظ الذي في الآية القرآنية؛ ليحدث الربط بين الموقف والآية" من أحسن عملاً " (أحسن خط، أحسن حل، أحسن ترتيب... إلخ).

3. عندما يخطئ الطفل: يفرط، أو يتجاوز حدوده...، فيخرج للعب في الشارع بدون استئذان، أو يتخاصم مع أخيه ويتجاوز حدوده، ويتعدى عليه بالضرب...، أو يلعب في أدوات المطبخ، ويفسد شيئاً منها... إلخ.

فالأم (المربي) تعلمه المغفرة والتسامح بتسامحها معه، ولكن وفق أصل قرآني وهو قوله تعالى: "إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ" [سورة هود : الآية : 114] ليتعود الطفل على اتباع السيئة الحسنة.

فتطالبه الأم بعمل أشياء حسنة؛ ليكفر عن خطئه بعد تذكيره بخطئه، وتتلو عليه الأم وتؤكد: "إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ".

4. عندما تعطي الأخت أختها، أو أخاها من الحلوى التي في يدها وتشاركه، أو تساعده في إنجاز واجباته. أو في ترتيب لعبه...ثم بعد وقت قصير يتخاصم معها، أو يرفض إشراكها معه في لعبته أو طعامه، هنا الأم تقرأ قوله تعالى: "هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ" [سورة الرحمن - الآية : 60]  مؤكدة على معانيها فقط بطريقة قراءتها قراءة  تعبيرية.

وينبغي أن تتنبه الأم: آلا يكون في ذلك إرغام للطفل أو منة ٌ عليه، وأذى بسابق ما أعطي، بل يرغب ويُحث على ذلك، فإن استجاب فبها ونعمت، وإن لم يستجب ابتداء، فلا يجبر على ذلك؛ لأنه سيتعلمه من الآخرين، من الأم (المربي) الإخوة والأخوات الأكبر سناً، فإذا فعل شيئاً جيداً: قدم لك مساعدة في عمل. يكافأ عليها، ويقال له : "هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ"   فيشعر بأثر ذلك على نفسه؛ لأنه المُحسن إليه، فيقدر هذا الشعور لأنه عاشه وفي المرة المقبلة يكون هو المُحسِن.

5. عندما يزدحم مكان:(السيارة مثلا أو المجلس، أو طاولة الطعام، أو حلقة الصف...) تخاطب الأم أولادها، وتقرأ عليهم قوله تعالى: " ِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللّهُ لَكُمْ" [سورة المجادلة الآية 11] وتؤكد على الأجر وتستعمل لفظ الآية كما تقدم. هاه: من يفوز بالأجر من يفسح في المكان؟  وهكذا.

6. عند عراك الأولاد وخصامهم قد يتطاول الطفل بلسانه أو يده، ليضرب أخاه، يغضب، يثور!.

هنا الأم تنبه أن هذا من عمل الشيطان، ثم تقرأ قوله تعالى: "إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ" [سورة المائدة الآية : 91] وقوله تعالى: "وَإِماّ يَنَزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ" [سورة الأعراف الآية : 200] تعوذوا من الشيطان. ويوجهون للمسلك النبوي الشريف عند الغضب: التعوذ بالله من الشيطان. تغيير سلوكه: إن كان قائماً يقعد، قاعداً يضجع... يغسل وجهه : يتوضأ، وهكذا . ثم توجهه لمحبوب الله تعالى: "إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" [سورة الحجرات الآية : 10].

قد يكون الطفل يلعب بالألعاب الإلكترونية (السوني ... الخ) ويكون فيها موسيقى، أو جالس ولم يستجب لنداء أمه متعمداً، أو وقع في معصية، حينها ينبه أن هذا من مكر الشيطان، ويقرأ عليه قوله تعالى "إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّاً" [سورة فاطر الآية : 6].

7. عندما يغسل الطفل أسنانه، ويترك صنبور المياه مفتوحا، يغسل يديه ويسكب الكثير من الصابون... إلخ،  هنا توجهه الأم: أنت ربي يحبك فأنت مؤمن لكن انتبه، قال تعالى: "وَلاَتُسْرِفُوَاْ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْرِفِينَ" [سورة الأنعام الآية : 141]

8. عندما يرفض الأخ الكبير أخذ أخيه الصغير معه في نزهة، أو إلى الجيران، يرفض أن يشاركه معه في اللعب... إلخ.

هنا تقرأ الأم (المربي) عليه قولـه تعالى: "هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِيَ أَمْرِي " [سورة طه، الآية 30 : 32].

ويكون هذا بعد أن يُقص على الطفل قصة إرسال موسى – عليه السلام – لفرعون، وطلب موسى مرافقة أخيه، وكيف أن الله استجاب لموسى وجعل هارون نبياً. وتؤكد نواحي الأخوة في هذه القصة، وكيف تساعدا في أمر الدعوة إلى الله وكيف سانده أخوه. فإذا جاء مثل هذا الموقف نُذكر الطفل بهذه الآية، وهذا له أثر عظيم في توثيق أواصر الأخوة بين الأبناء، وسيتذكر الطفل هذه الآية في كل موقف يحتاج فيه إلى شريك أو مؤانس أو رفيق.

9. عندما يخطئ الطفل: عليه أن يتحمل تبعات فعله ومسؤولية خطئه، وكذلك يعلم أنه إن أحسن فله الحسنى؛    لذلك يعمق هذا المفهوم عند الطفل، ويؤكد أنه إن أحسن لنفسه، وإن أساء فعليها، وأنه مرهون بفعله، وتعلمه قوله تعالى: "كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ "[سورة المدثر، الآية : 38].

10. عندما يشتد الغضب عند الطفل قد يتجاوز في ألفاظه، فعلى الأم تعليمه: أن هناك كتبة يكتبون كل قول ولفظ ينطق به، فتقرأ علـيه قوله تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" [سورة ق، الآية : 18].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المصدر: موقع المربي – بتصرف.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...