كيْفَ أقرأُ العملَ الأدبي!؟

أدب وفن » آراء وقراءات
06 - ربيع أول - 1439 هـ| 24 - نوفمبر - 2017


كيْفَ أقرأُ العملَ الأدبي!؟

مِنْ أَلْزَمِ ما يَلْزَمُني في قراءة العَمَلِ الأدبي: الحِرْصُ على مُعايشتِه والاقتراب من داخِلِه؛ لِأَمْلِكَ إدْراكَ صورِه، ومِحْوَرِ مَعانيه وطبيعةِ العلاقات التي لها أن تصوغَ عناصرَه الفنّيّة - وإنْ تَضادَّت- في انسجام، ورائدي في ذلك: لُغةُ المُبدِع، وأُسْلوبُ تَرْكيبه لإبداعِه.

 

 وإذا كان انطلاقٌ منّي لِخارِجِ النَّصِّ، فهو انطلاقٌ لا يُمْليه سِوى النَّصِّ الأدبي ذاتِه، لِمَزيدٍ من إيضاحِ مَعانيه، فأنْطَلِقُ منه، لأعودَ إليه.

 

فإذا صارَ في إمكاني أن أعيشَ (مع) النَّصِّ الأدبي و(فيه)، مَلَكْتُ أن أحيا (به) فهو(يقودُ خُطاي)، وإذ ذاكَ أُحْسِنُ حكايةَ قِصَّةِ انفعالي به، بالكتابةِ عنه، وإلّا.. لم يُجاوِز جهْدي حَدَّ المُطالَعة، ولِذا أتعلّق بخصوصيّة أسلوب الكاتب وتَميُّزه وفرادته، وأبحث ـ مِرَاراً - لِجلاء النّقاط التي انْمازَ الكاتبُ بالتّركيزِ عليها، وألجأ إلى حوارِها، بإثارة الأسئلة حولها في ذهن القارئ، لأتمكّن ـ وإيّاهُ - من تقرير حقيقةٍ ما، واستنباط القيم الأساسية التي يسعى الكاتب لإيصالها وجلائها.

 

​وقارئُ النَّصِّ الأدبي يُشارِكُ المُبدعَ في إبداعه، فـ"لا خلافَ على أنَّ النَّقْدَ هو عِلْمُ أو (فنّ!) تفسيرِ النُّصوصِ الأدبيّة، وبيانِ قيمتها"، ويدخل جهد هذا القارئ المُبدِعِ في باب (التأويل)، الذي وإن قام مُرتكزاً على نَصِّ المُبدع بالدرجة الأولى، فهو لا يُضيع ولا يتجاهل إبداعَ القارئ، وبَصْمَتَه المميِّزة له، الخاصّةَ به، لذا ركَّزتُ على استعمال لفظة (قراءة) خاصَّةً، لأنّها تُشيرُ إلى أنّ العين التي تقرؤها، تنتقي الوقوف عند شئٍ جلَبَ نظرَها وجَذَبَه على نحْوٍ خاص.

 

​وحين أُحاوِرُ النَّصَّ الأدبي؛ أتّخذه في مقام شيءٍ من إنشائي الخاصّ، فأتلمَّس ما يَمُرُّ به المبدع من أحوالٍ نفسيّة تُجلّي رؤيتَه الخاصَّة للكون من حوله، وقراءتَه له على نحوٍ خاصّ، والقراءةُ هذه تقترب - إلى حَدِّ ما - وتتواءم مع شخصيّة مَنْ يَقرؤه، لعلّي أنتقي وأصطفي من إبداعِ الكاتب ما يوافق ميلي الخاصّ، ويستجلِب اهتمامي، لذا يُسْمى الناقد: (قارئاً لِقارئ)، والقراءة فوق القراءة: إبداعٌ جديد.

 

​وقراءةُ النَّصِّ الأدبيِّ يَنبغي أن تقومَ على رؤيةٍ شامِلة لِرًوحِ النَّصِّ المُسيطرةِ عليه، والغالِبةِ على ألفاظِه وصوره، تَهْتَمُّ بالرَّكيزةِ الأساسيَّةِ التي يَنبني عليها الإبداعُ كُلُّه، وتَصُبُّ سائرُ فَنّيّاتِ الكاتِبِ لأجْلِ تأكيدِها، حتَّى وإنْ لَمْ يَفْطَنِ المُبْدِعُ نفسُه إلى هذا المعنى، ولم يَعْمَدْ إليه عَمْداً، بَيْدَ أنَّه كامِنٌ في رُوحِه، تُجَلِّيه ألْفاظُه وصُورُه، وأدواتُ الفَنِّ جميعُها في كتابَتِه.

 

​ومداخلي إلى العمل الأدبي تختلف باختلاف النَّصّ، فالنَّصُّ يُملي عليَّ أسلوبَ تناوله ومنهجَ قراءته، وإنّما ينبثق هذا المنهج عن تساؤلٍ يُراوِدُ فِكْرَ القارئ، ويُلِحُّ عليه مِراراً، في تأمُّلاتِه المُتتالية، فـ"يستَغِلُّ ضروباً وأفانينَ مُتعدّدةَ من النّقْد بِحَسْبِ ما يُعالجه من آثار".

 

كيف تتميَّزُ قراءتي؟!

تتميَّزُ قراءتي بأن أقرأَ (أنا)، بأُسلوبي (أنا)، وأُفسِّرَ كلامَكَ (أنت) أيُّها الكاتب، بدلالة لغتك (أنت) كما أفهمُها، بالأدلّة والشواهد التي أسوقها من طريقة أدائك للمعاني.

 و(التَّأثُّريَّةُ) هنا أَجْدى، لأنَّها تُؤهِّلُ القارئَ المُدَرَّبَ (للاقتراب) من روحِ الإبداعِ، و(الوصولِ) إلى سِرِّ تَمَيُّزِه وتأثيرِه، وتبيانِ أسباب تَمْييزِه لِهذا الإبداع، وذلك بِتَقديمِ شواهدَ، تُصَدِّقُ آراءَه.

 

​والقارئ – بِهذا الصَّدَد - يَحتجُّ لِرَأيه بمناهجَ شتّى، قد يُعينُه علمُ اللغة والدِّلالة اللفظيّة، أو العلم بألفاظ القرآن وتراكيبه، والأدب ـ من شعر ونثر-، فقد يُثيرُ النَّصُّ في ذاكرته استرجاعَ آيةٍ من القرآن، أو قولِ شاعرٍ سَبَقَ (التَّناصُّ)، وقد يقترب القارئُ من مُعطياتِ علم النَّفْس، وربَّما دنيا الأيديولوجيا والفِكْر.

 

فالقارئ يُحاول ويسعى للمُحافظة على خصوصيّةِ نظرتِه، واستقلالها وتَميُّزِها، وإلا سُمّيت قراءتُه (مُطالعةً) فحَسْب! ولانتفت عنها ميزةُ أُولى آيات القرآن الكريمِ: (اقْرَأْ)! التي تحمل إشارةَ التَّأمُّل والتَّبصُّر بالمعنى البعيد.

 

وللقارئ، الذي يختارُ النَّصَّ الأدبي ويتناولُه بالقراءة، أنْ يَنْتَقيَ أُسْلُوبَاً خاصَّاً في أثناءِ قراءتِه، بإنْعامِ النَّظر في العناصرِ الفنّيّة التي أثارَتْ مَشاعرَه، ويَتحيّنَ حيناً مواتياً لِمداولته وإعادةِ تأمُّلِه، فتُراوِدُ ذاكرَتَه أفكارٌ مُعيّنةٌ تكرّرتْ في إبداعِ الكاتبِ، تُلِحُّ عليه مراراً، بأساليبَ شتّى، حتّى تقومَ قراءتُه على مُتابعةِ ما ألحَّ عليه الكاتبُ، وجلاءِ دلالةِ فنِّه على تماسكِ تجربتِهِ الفنّيّةِ، بل رُبَّما قامَ القارئُ المُمْعِنُ المُتمَعِّنُ باستنطاقِ النَّصّ، والكَشفِ عمّا أُلْغِزَ واستُغْلِقَ، باستحضار الشواهد والأدلَّة!! فيكتبُ نَصَّاً فوقَ النَّصّ، ويَشعرُ أنَّ النَّصّين ملْكٌ له، صاغَهما إبداعُه الخاصُّ، المُمَيِّزُ له.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...