كي لا يموت الحلم!!

أدب وفن » دوحة السرد
23 - محرم - 1441 هـ| 23 - سبتمبر - 2019


1

           تذكرت ذلك اليوم.. كنا حينها في الصف الرابع الابتدائي. كنا أطفالا صغارا في مدرستنا، في أثناء الفسحة يلعب بعضنا في الحوش (الفناء) الواسع، بينما يجلس البعض الآخر على السلالم الواسعة. كنا نتبادل الحديث عن أحلامنا، الغريب أنها كانت أحلاما محدودة للغاية  بخصوص مهنة المستقبل، تكاد تكون مقصورة على شغف الفتيات بالطب، لم يشذ عن هذه القاعدة إلا القليل. أتذكر أني يومها أعلنت بلا حرج أني أود أن أصبح كاتبة لامعة مثل أبي، ولما جاء الدور على (رحمة)  صمتت تفكر بعمق قبل أن تقول في خجل:

ـ لم أفكر بهذا من قبل..  لم أفكر بأني سأكون كبيرة في يوم ما.

وبعد أن انتهت من كلماتها القليلة ضحكت ببراءة وضحكنا معها.

كانت مجرد أحلام سابقة لأوانها، وكنا جميعا ندرك ذلك، وكانت إجابتها يسيرة للدرجة التي لا تجعلها تعلق بأذهان الكثيرين، لكن شيئا ما جعل من هذا الموقف بالذات صورة لصيقة بالذاكرة، أسترجعها كلما ذكر أمامي اسمها. أتذكرها بوجهها الطفولي وضحكتها الصافية، وابتسامتها البريئة التي تمتد لتشمل وجهها الصغير.

مضت السنوات وانتقلنا للدراسة المتوسطة، ولأنها كانت المدرسة الوحيدة لكل بنات مركزنا الصغير، فقد ضمت كل بنات المدارس الابتدائية بالمركز، وعلى الرغم من حرصنا على إبقاء صداقاتنا القديمة ضعفت الروابط بيننا؛ لابتعادنا عن أصدقائنا القدامى بفصول، وتكونت صداقات جديدة يدعمها تقارب الحروف الهجائية طبقا لقوائم الفصول، وانشغلنا بدروسنا الجديدة وأصدقائنا الجدد.

بدأت(رحمة) بالتغيب عن الدراسة، كان غيابا متقطعا أول الأمر، ثم امتد لأسابيع متصلة، ثم انقطعت تماما عن الدراسة. علمنا حينها أنها ستؤجل الدراسة لسبب مرضي، ولكوننا صغارا حينها لم نكن ندرك مفهوما محددا للمرض، فاكتفينا بالتعاطف مع صديقتنا المريضة، ورغبنا في زيارتها للاطمئنان عليها، فوجئنا بعدم إمكانية ذلك، فلقد سافرت إلى القاهرة لتلقي العلاج في أحد مستشفياتها، ولكنهم وعدونا  بأن نراها حين تتحسن. لكننا لم نرها ثانية بعد ذلك.

عدنا للانشغال، كل بدراسته وأصدقائه و أحلامه وهمومه، حتى انتقلنا للدراسة الثانوية، حينها أحسسنا بغيابها عنا فعدنا نسأل عنها.  كنا أكثر نضجا لتفهم معنى المرض، وكانت الإجابة قاسية؛ فقد كانت مريضة بمرض خبيث.

 

صحونا ذات صباح على صوت مكبرات الصوت تجوب المدينة، لتعلن نبأ وفاة صديقتنا. يومها اتشحت مدرستنا بالسواد. شاركنا حزننا أصدقاءنا الجدد الذين حتى لم يعرفوها.

أنهيت دراستي الثانوية والتحقت بالجامعة. صحيح أني لم ألتحق بإحدى الكليات الأدبية كما كنت أحلم، لكني تذكرت (رحمة) اليوم، تطل علي بابتسامتها البريئة عندما رأيت إعلانا يخص حملة تبرعات ضخمة للأطفال مرضى سرطان الدم على أمل أن تتاح لهم فرصة الحلم بأن يصيروا كبارا مثلنا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...