لطفاً زوجي.. لا تقل عني بدينة!

عالم الأسرة » هي وهو
24 - رجب - 1441 هـ| 19 - مارس - 2020


1

مسكينة تلك التي ابتليت بالبدانة.. تتلقفها الكلمات من هنا وهناك، لا تقوى رداً.. إلا أن تعزف عن مرآتها أملاً أن تعود إليها بشكل مختلف..

أشياء كثيرة في بيتها تتمنى التخلص منها، كالميزان والمرآة، الثياب القديمة ومجلات الموضة والأزياء، ولكن أين المفر والمجلات تطالعها بعناوين تفشي سرها، وبرامج التلفاز تشير لها، والإنترنت يخصص عنها موضوعات تجعلها أكثر نفوراً من حالها دون حلها.

وقد تطيق كل ذلك، إلا عبارة تخرج من فم زوجها، تأخذ بجسدها المثقل - لا أعلم بالدهون أم الهموم- عالياً وتلقيه أرضاً دفعة واحدة ليبدأ نزيف الكلمات..

تود حينها أن تصرخ بأعلى صوتها زوجي لطفاً.. فضلاً.. (لا تقل عني بدينة)، سمينة نعم سمينة ومنتفخة.. ولكن هل تعرف لماذا.. ستجيبني نعم أسباب البدانة هي:...

مهلاً.. أترك عنك ما تقدمه المجلات، وما يعرضه التلفاز من أسباب واستمع إلى أسبابي...

بدينة أنا.. ربما الأمر كذلك لأن الأكل هو المتعة الوحيدة الحلال التي أختار منها ما أريد فلا أجد منها طعماً وأفتقد آخر، إن أردت مالحاً فالأصناف كثيرة، وإن اشتهيت حلواً فالأنواع وفيرة، حتى المر إن أردته أكلته.

في الأكل حرية أتمتع بها، إذ إنه القرار الوحيد الذي أستطيع أن أتخذه دون أن أعود فيه إليك، وبما أنك تركت لي مطلق الحرية في فتح الثلاجة وتناول ما فيها فأنا بدوري لن أفرط بهذه الحرية... وكما يقول المثل (محروم وقع في كروم).

وإن كنت لا ترى داعياً لتناولي الحلويات وأنها سبب رئيسي لسمنتي، فاعذرني إنما أردت أن أطعّم المرار الذي أشعر به.. ولأنني مطالبة بأن أكون عذبة اللسان وأن أخاطبك بكلمات معسولة مع كل المسؤوليات والضغوطات والمفارقات التي أعيشها فأنا مضطرة إلى تناول كميات كبيرة من العسل والسكر..

كما أني علمت أن علي إن أردت طلب شيء منك أن أتحين الوقت المناسب، فتركت لسمنتي الظاهرة أمامك أن توافق تقبلك لطلبي أو تقنعك بضرورة شراء ثياب جديدة لي بدلاً من الصد والرد وسياق مبررات للشراء.

وربما أني أواكب عصري.. وهذا عصر البرتقالة.. والبرتقالة هنا ليست ثمرة من ثمار بيارات البرتقال المنتشرة في فلسطين والتي ترمز إلى الحنين وحلم العودة إلى الأرض، إنما هي رمز آخر مختلف تماماً عن ذلك..

من جهة أخرى فقد أثبت علمياً أن الإحساس بالملل أو الفشل يزيدان من التوجه إلى الطعام كتعويض لا شعوري عن الكبت النفسي والعاطفي، وأبحاث أخرى تقول إن في الشيكولاته مادة تزيل الكآبة وتبعث على السعادة.

ثم ماذا تراني فاعلة إذا ما اشتد بي الهم.. وأحزنتني مشاكل الدنيا وهمومها، ليس عندي إلا أحد حلين؛ إما أن آكل نفسي أو أن تأكل نفسي وهو ما رجحته.. فلجأت إلى الطعام عساه يسلني، أجول بين ألوانه المختلفة لعله يمسح لون السواد الذي أراه في حال أمتي..

ابتلعت، نعم ابتلعت أشياء أخرى ليست صنفاً من أصناف الطعام!.. أشياء تجعلك تبدو منتفخاً مكوراً.. هذه الأشياء هي أحلامي، أمانيَّ، حماستي نحو التغيير، نحو المضي لما هو أفضل...

ابتلعت حلم أمتي.. حلم الوحدة، حلم وقفة الصف الواحد في مواجهة من يتربص بنا..

ابتلعت حتى أتخمت، وأتخمت حتى سمنت.. وأصبحوا يطلقون علي بدينة...

بدينة نعم، ولكن ليس بالدهون فقط، بل بالهموم، بالسراب.. بخيبة الأمل..

منتفخة.. أجل منتفخة غيظاً من كل ما يجري حولي، من تدخل القريب والبعيد بأمري.. باستخدام اسمي في كل شاردة وواردة، وإقحامي عنوة فيما لا أريده.. يتحدثون ويطالبون، يناورون ويحاربون ثم يمهرون توصياتهم بتوقيعي.

وبمعزل عنهم وعن طلباتهم، أرغب كامرأة تمثل نصف المجتمع أن أكون عضواً نافعاً ومفيداً، وأن يكون لي دور إيجابي.. وسمعت أن على المرأة أن تشارك في المجتمع بكل ثقلها.. فعزمت على أن أزيد من ثقلي لتزيد مشاركتي وأكون أكثر فاعلية في مجتمعي..

لهذا كله أبدو بدينة.. فلعلك بعد أن عرفت أسبابي، تعذرني لكني أعرف أنك لن ترضى أن أبقى على حالي ولسان حالك يسأل عن الحل..

ولعلك تلمح إلى أن أتبع نظام حمية يخلصني ويخلصك مما أنا فيه، وكونه من الصعب أن ألفظ أو أخفف من آلامي وهمومي المبتعلة، فليس لي إلا أن ألجأ إلى التخفيف من الدهون المختزنة.. ولكن أي نظام حمية أو ريجيم تريدني أن أتبعه؟....

هل أختار الريجيم الكيمائي؟.. أخشى إن اخترته أن تزحف أمريكا بجيوشها نحوي بحجة البحث عن الأسلحة الكيمائية لدي، وكفاني مقاومة الاحتلال الفكري والثقافي الذي تمارسه علي.. حتى تأتني باحتلال جديد..

أم أختار ريجيم البروتين فأوصم بأني من أكلة اللحوم فأثير حفيظة جمعية الرفق بالحيوان .

اتركني من هذه الأنظمة.. وضع يدك في يدي نمشي سوياً كل مساء، نتحدث، نتكلم.. أفرغ في جو طليق معك بعض من همي- لا تخف لا أقصد أن أفرغ فيك همي- وأخفف برياضة المشي بعضاً من دهني وشحمي.. فأنقص بذلك وزناً وهماً..  

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سلام نجم الدين الشرابي

كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





العضوية:
• عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
• عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
• عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
العمل:
• مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
• مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
• مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
• مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
• كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
• كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
• مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

المشاركات:
• المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
• استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
• استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
• استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
• استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
• المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
• المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
• المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
• تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

الإصدارات:
• صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
• لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


الإنتاج العلمي:
- الدور التثقيفي للتلفزيون.
ورش عمل ومحاضرات:
إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
• دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
• دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
• دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
• دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...