لماذا نتعلم؟

أدب وفن » آراء وقراءات
08 - ذو القعدة - 1439 هـ| 21 - يوليو - 2018


1

أحد أهم أسباب غياب الاستفادة من مخرجات التعليم في وطننا العربي الكبير: هو غياب الوعي بأهمية اختيار التخصص الجامعي، وفقا للقدرات الفردية للطلاب، وغياب مسايرة هذه التخصصات للتطور السريع الذي يحدث واقعيا في حياتنا اليومية.

 

فمن بين مئات التخصصات الجامعية: تنحصر طموحات الطلاب والطالبات على عدد محدود جدا من كليات القمة، التي يرنو إليها الجميع؛ والقلة من تملك القدرة العلمية والمهارات الفردية للإنجاز الحقيقي في هذه الكليات؛ فيما يكتفي السواد الأعظم من الطلاب بمناوشة الحلم فقط، وحين تظهر نتائج الثانوية: يحسم التنسيق واختبارات القدرات الكليات المتاحة، فينتفع أصحاب الطموح الصادق وأصحاب القدرات الحقيقة، ويدخلون الكليات التي يرغبونها فينجزون فيها. 

 

إننا لا نتحدث هنا عن الشريحة القليلة من الطلاب، التي تعرف ما تريد، وتتوافق طموحاتها مع قدراتها، وإنما نتحدث عن الكثرة الغالبة من الطلاب التي تتوجه لتخصصات لم تخطر لها على بال، وفقا لما جاء به التنسيق، وفي ذلك يحدث العمى الإرادي لدى كثير من الطلاب، حين يدخلون كليات ليست على هواهم، وإنما للحصول على شهادة جامعية فقط، وهذه أول إصابة بالعطب في عقول نخبة المجتمعات العربية، حين يتخرج الجامعيون بلا هدف ولا رؤية ولا طموح.

 

دقق النظر وتأمل في نفسك وفي الخريجين من حولك، من الزملاء والأصدقاء والأقارب؛ كم شخص تخرج في التخصص الذي يرغبه ويتمناه؟!. واسأل نفسك: لماذا غابت التوعية بأهمية الكليات الأخرى غير كليات القمة، حتى تولد يقين راسخ في العقل الجمعي: بأن الكيات الجامعية المهمة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة؛ فيما بقية الكليات تمشية حال، أو لملأ الفراغ فقط؟!!

 

هناك مسؤولية مشتركة بين القائمين على التعليم، الذين قصروا في بيان أهمية التخصصات الأخرى ـ غير كليات القمة ـ  وأولياء الأمور الذين يدخل بعضهم في نوبة من الحزن والاكتئاب: إذا تخلف ابنه أو ابنته عن إحدى هذه الكليات (القمة) بغض النظر على الاستعداد، أو المؤهلات الشخصية لابنه أو ابنته. والطرف الثالث هم الطلاب أنفسهم الذين لا يملكون الخبرة العملية والاجتماعية، ولا حتى الخبرة الحياتية الكافية لكسر هذه الصورة النمطية، فيقعون ضحية مسؤولي التعليم في بلادهم، وضحية مجتمعاتهم، وضحية تصوراتهم المحدودة القاصرة، بحكم حداثة السن وقلة الخبرة.

 

وللطلاب والطالبات الذين يريدون اختيار التخصص المفيد أن يسألوا أنفسهم: لماذا نتعلم؟ فإذا استطاع الطلاب الإجابة على هذا السؤال بوضوح: يمكنهم اختيار التخصص المناسب بارتياح، مهما رآه الجميع تخصصا متدنيا، أو لا يحقق الوجاهة الاجتماعية، أو أنه لا يمنح فرصا أوسع للعمل.

 

أما لماذا نتعلم؟ فالإجابة بسهولة: إننا نتعلم لصقل بذرة خبرة، وميل لمسناه في أنفسنا تجاه مهنة من المهن، أو تخصص من التخصصات، بغض النظر إذا كان هذا التخصص في كليات القمة أو كليات القاع إن صحت التسمية!

 

أعرف أحد الأستاذة الكبار في طب التجميل، كان يهوى الفن التشكيلي، وكان يطمح أن يتخصص في فن الديكور، ولكن والده الأستاذ الجامعي، أصر على دخوله كلية الطب؛ وكأن لسان حال والده يقول: كيف يؤهلك معدلك للطب وتذهب لدراسة الديكور!!

 

لم يقوَ الشاب على مواجهة والده وأسرته، خصوصا أن الطب في رأس كليات القمة؛ فيما تخصص الديكور يكون فرعا في إحدى الكليات خاملة الذكر!.

 

يقول دخلت كلية الطب، وحين جاء وقت التخصص: اخترت التخصص في الجراحة التجميلية؛ لأنها أقرب التخصصات لمهنة الديكور التي أحببتها وتمنيت دراستها.

 

الآن هو طبيب كأي طبيب متميز في تخصصه، لكنه لو تخصص فيما يرغبه ويهواه ـ حتى وإن كان من كليات القاع! ـ فمن المؤكد أنه كان سيحدث طفرة فنية، ويحقق رضاء نفسيا وتوازنا بين مهنة يحبها، وطموح يدفعه لتطويرها والتقدم بها.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...