لماذا يكذب المراهقون؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

لماذا يكذب المراهقون؟

دعوة وتربية » نوافذ
11 - ذو القعدة - 1439 هـ| 24 - يوليو - 2018


1

أعزائي المربين: أهلاً بكم

يصاب الوالدان بالصدمة، إذا تلبس ولدهما المراهق بالكذب، خاصة إذا لم يكن هذا من أخلاقه سابقاً؛ مما يجعل ردة فعلهم تتسم بالتوتر والحدة، وقد يؤدي ذلك لاستمرار الابن في الكذب، لمجرد العناد والمخالفة!

فما هو تفسير الكذب في هذه المرحلة؟ وهل هناك فرق بينه وبين كذب الأطفال؟ هل ينبيء كذب المراهق عن جنوحه؟ وما هي سبل الوقاية والعلاج؟.

أعزائي: عندما يصدر الكذب عن الابن المراهق، فغالباً ما يكون تعبيراً عن القلق والضيق والارتباك وصعوبات النمو، فليس الكذب طبيعة جديدة للمراهق، لكنه أثر من آثار الصراعات التي تحتدم بداخله، وتحتمها طبيعة المرحلة التي يمر بها.

وعندما نتحدث عن الكذب الذي يصدر عن المراهقين، يجب أن نفرق بين هذا السلوك، وبين نمطين آخرين من الكذب:

الأول: الكذب في مرحلتَيْ الطفولة المبكرة والمتأخرة، فله صوره وأسبابه التي تختلف تماماً عن الكذب في مرحلة المراهقة.

الثاني: كذب المراهق الذي نشأ في بيئة أسرية، تعتاد الكذب وتستهين به ولا تجرّمه، فهذا المراهق سيكون كذبه نتيجة طبيعية للتربية الخاطئة التي تلقاها في الصغر، وصنعت منه المراهق الكذوب.

ولكن ـ أعزائي ـ حديثنا اليوم يركز على (الكذب)، كعرض سلوكي سيء، يعتري المراهق الذي نشأ في أسرة لم تعتد عليه، وهذا السلوك السيء يكثر من المراهقين والمراهقات، وبالطبع له تعلق بسمات وخصائص المرحلة التي يمرون بها، ولكنه يزول بزوال أسبابه.

دوافع وأسباب الكذب عند المراهقين:

- الكذب من أجل تفادي المشاكل والصدام مع الوالدين:

حيث يحاول المراهق إخفاء أسراره، والتي غالباً ما تكون عبارة عن ممارسات تخالف المبادئ التي تربى عليها، ومن الممكن أن تسبب له المشكلات مع الوالدين، فيضطره ذلك للكذب عندما يستفسر منه الوالدان، مثال ذلك: الخروج مع صديق غير مفضل عند الوالدين، أو تجربته لعادات ممنوعة، مثل: التدخين، أو الذهاب إلى الملاهي الليلية، أو السفر مع الرفاق بدون إذن.

- الكذب من أجل إثبات الشخصية وتحقيق الاستقلال:

وهذا الدافع يجعل المراهق يلجأ إلى الكذب؛ للتملص من مساءلة الوالدين عن تفاصيل وقته خارج المنزل، ومن من الرفاق يصاحب؟ وأين يذهبون؟ وغيرها من الأسئلة التي ـ في نظر المراهق ـ تعوق استقلاله الذي يناضل من أجله، وتعاكس إحساسه بأنه ينمو ويتفرد، فيضطر إلى منح الوالدين الإجابات التي ترضيهم حتى لو كانت كذباً؛ خوفاً من نيل العقاب إذا علموا بالمخالفة.

- الكذب من أجل التفوق على الرفاق والتجمل أمامهم:

فلو استعرضنا كذبات المراهقين، لوجدنا أن معظمهم أبطالاً رياضيين أحرزوا الكثير من البطولات، وآباءهم مدراء لشركات عالمية، ولديهم أفخم السيارات، ويمتلكون أرصدة كبيرة في البنوك.

- الكذب من أجل جذب الانتباه:

قد يكذب المراهق من أجل أن يلفت الانتباه إليه، إذا شعر أنه مهمشاً في مجموعة الرفاق (الشلة)، أو داخل الأسرة، خاصة في حالات عدم الاستقرار الأسري، أو انفصال الوالدين، والتي قد تؤدي إلى عدم الانتباه الجيد إلى حاجات الأبناء في مثل هذه المرحلة.

- الكذب من أجل مراعاة شعور الآخرين:

فالمراهق يتميز بالحساسية المفرطة، التي قد تدفعه للكذب، متهاوناً فيه، ناظراً إليه على اعتبار أنه (كذب أبيض)، معلياً من شأن مشاعر صديق له مثلاً يمر بأزمة، أو أي شخص يستحوذ على تعاطفه؛ خشية أن يجرح مشاعره.

أساليب الوقاية والعلاج

- تفهم طبيعة المرحلة التي يمر بها الابن:

إن ما نراه على مراهقينا من أقوالٍ وأفعالٍ نستنكرها، ليست عيوبا أو سوْءات. إنما هي عثراتٌ في طريق نموهم السريع المطّرد، ونحن في عصر لا يصلح فيه الارتجال في التربية، أو الاعتماد على الثقافة التربوية الموروثة، فأبناؤنا يواجهون تحديات لم تكن موجودة من قبل، لا يصلح أن نتعامل معها بالصياح الدائم والتوتر المستمر، وأحسن مثال عملي نتعلم منه: كيف نحتوي أبناءنا المراهقين، ونتفهم أخطائهم وسلوكياتهم الغير مقبولة، هو حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا...! إننا لَنعجب من فقهه في معاملة النفوس، وحكمته في تربيتها، ورفقه في إصلاح أخطائها، وعلاج ما بها من خلل، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رضي الله عنه ـ, قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا! فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ, قَالُوا: مَهْ مَهْ, فَقَالَ: "ادْنُهْ", فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا, قَالَ: فَجَلَسَ, قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟", قَالَ: لَا وَاللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ : "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ", قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟", قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ, قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟", قَالَ: لَا وَاللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ , قَال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟", قَالَ: لَا وَاللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ, قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟" , قَالَ: لَا وَاللَّهِ, جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ, قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ, قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ, وَطَهِّرْ قَلْبَهُ, وَحَصِّنْ فَرْجَهُ", فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ. (رواه أحمد، وصححه المحدثون).

- بناء علاقة إيجابية قوية مع الابن تقوم على منح الثقة والاحترام:

وعدم التعامل مع الابن على اعتبار: أن الأصل فيه هو سوء الخلق، والتمرد ومساويء الجيل الجديد.. وما إلى ذلك، ولكننا ندعو كلا من الأب والأم أن يركزا على مميزات الابن، وما يتمتع به من خصال حميدة، وأن يثنيا على المواقف التي يتصرف فيها برجولة ويتحمل فيها المسؤولية.

- اعتماد الحوار كأسلوب للتواصل داخل الأسرة:

 ونقصد هنا الحوار الآمن الذي يمنح الابن شعوراً غامراً بالاحترام والثقة والكرامة، حيث يحسن الوالدان الاستماع إليه، ويعطيانه الفرصة الكافية للكلام وعرض وجهة نظره في موضوع النقاش في جو يسوده الهدوء والاحترام المتبادل، ويتبدد من خلاله شعور الابن بالخوف من العقاب أو من مصادرة الرأي، والذي يدفعه غالباً إلى الكذب.

- تعزيز التربية الإيمانية:

 تعزيز التربية الإيمانية ومناقشة قضية الكذب مع الابن بأسلوب حسن، وربط الصدق بكل خصال الخير، والكذب بكل خصال الشر والفجور، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ، وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

- إبراز القدوات الصادقة:

فالابن المراهق يبحث عن ثوابت يلتف حولها، وعن قدوات يقلدها ويحاكيها وترضي طموحه، لذلك لو صدر الكذب عن مراهق ينتمي إلى أسرة، يمثل فيها الوالدان قدوة حسنة صارمة في مسألة الصدق، فالأمر لن يحتاج في علاجه إلى كلام كثير، وسيظل بمثابة الخطأ العارض لا أكثر.

لكن المشكلة أن أكثر المراهقين يعتقدون أن المجتمع في أكثريته يكذب ويتهاون في الكذب، وعلى المربي أن يصوّب للمراهق هذا الفهم الخاطيء، نعم هناك من يكذبون لكنهم لا يمثلون الأغلبية، ومازال الأصل هو تمسك الناس ـ خاصة في المجتمعات المسلمة ـ بفضيلة الصدق، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ»(متفق عليه).

كذلك يحتاج الابن إلى ضرب الأمثلة الناصعة للصادقين، مثل قصة الصحابي الجليل "كعب بن مالك" الذي نجاه الله بالصدق، فهو في سن يتأثر فيه جداً بمثل هذه الأحاديث.

وأخيراً عزيزي المربي:

لا يعني صدور الكذب عن المراهق أنه بالضرورة سيصبح جانحاً، إذا حاد ولدك المراهق يوماً عن الطريق فإن حديثاً تهذيبياً ومتفهماً يكون أكثر نفعا بالنسبة له في تقويم سلوكه، وردّه إلى جادة الصواب من التهديدات أو العقوبات الصارمة التي تدفع المراهق للإمعان في الخطأ، فبالحب والاحتواء واعتماد لغة الحوار يختفي الكذب ويكون أبناؤنا مع الصادقين إن شاء الله .

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...