لمسة وفاء

عالم الأسرة » همسات
14 - ربيع أول - 1437 هـ| 26 - ديسمبر - 2015


1

ضحت بالغالي والنفيس، وسهرت الليالي الطوال رغم آلامها، ولم تشتكِ ولم تألُ جهدا في سبيل راحة الآخرين والتخفيف من آلامهم وأحزانهم. وفي المقابل لا تجد من يخفِّف عنها ولو بكلمة من شفة حانية، وكأنما شلت الألسن عن كلمة يخففون بها متاعب هذه الأم الفضلى، ولم يتوقف عطاؤها عند هذا الحد، فهي تقوم بالواجب مع الصغير والكبير والغريب قبل القريب؛ لأن هذا ديدنها، فدوما تنفق من مالها الخاص من أجل الترحيب بضيوفها وعمل الواجب، بل القيام به على أكمل وجه، ولم يقتصر بذلها وسخاؤها على ذلك، بل امتد إلى مشاركة الناس مناسباتهم في الفرح والترح على السواء. فقلما تفوتها مناسبة لا تشارك فيها، وتكون حاضرة في الزمان والمكان المناسبين، وكم عانت هذه الأم الحانية على مدار سنيّ عمرها الفائتة خاصة من أقرب الأقربين، بناتها وزوجها، فلم تسلم من التجريح تارة بالصريح وبالتلميح تارة أخرى، فصبرت ولم تقابل السيئة بالسيئة، ولكن كانت كعادتها المتأصلة فيها تغفر وتعفو وتنسى الأسيّة، وتقابل الشدة بالحنيّة، والبعد بالسؤال والوصل، وإذا اعتذر منها أحد، لا يكون منها إلا الصفح الجميل لمَن أساء إليها، وما يحزنني كثيرا أن أرى دموعها التي تسبقها بالشكوى، وتعبّر عن مكنون صدرها، فهي حسّاسة جدا ويؤثر فيها أن يأتي الظلم من الأقربين ولسان حالها يردّد قول الشاعر:  

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة        على  المرء من وقع الحسام المهند

وإذا تركت هذه الأم الحنون نفسها لوساوس الشيطان ليكاد يذهب عقلها من التفكير وتقول لنفسها: ماذا فعلت لمَن حولي كي يعاملوني هكذا؟!

وعندما تجلس مع نفسها، تؤوب إلى رشدها صابرة محتسبة مردّدة: هذا قدر ربي وأنا راضية به والحمد لله في السراء والضراء.

 فلهذه الأم ذات القلب الكبير والعقل الراجح والتصرف الحكيم كل الشكر والتقدير، ولا نملك لها إلا الدعاء لرب العالمين بمزيد من الصحة والعافية والستر في الدنيا والآخرة، وأن تظل على الدوام يحتاج إليها كلُ أحدٍ ولا تحتاج إلى أحد. هذه القصة القصيرة لا تمثل أمًّا واحدة، ولكنها قصة كثير من الأمهات اللاتي تشتكين من جراء الإهمال وسوء المعاملة، من أقرب الناس المفترض أن يكون منهم حسن المعاملة والرعاية والأمان للوالدين، خاصة الأم التي جعل الله الضعف في بنيتها لتكون رحيمة رفيقة بمن حولها رقيقة معهم، فهنيئا لمن أرضى ربه بإرضائه والديه، وعمل جاهدا على راحتهما، وتوفير ما يحتاجان إليه فهذا أقل ما يجب في حقهما.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...