لنتفق: كيف سنربي أبناءنا؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

لنتفق: كيف سنربي أبناءنا؟

دعوة وتربية » نوافذ
26 - رجب - 1439 هـ| 12 - ابريل - 2018


1

أعزائي الآباء والأمهات:

الأبوة والأمومة نعمة كبيرة من الله تعالى، وفي الوقت ذاته مسؤولية يحاسب عليها المرء بين يدي الله تعالى يوم القيامة، ولذلك فإن القيام بتلك المسؤولية على خير وجه: يتطلب من الوالدين الكثير من الحكمة والمعرفة، لسلوك أفضل سبل التعامل مع الأبناء؛ حتى نعبر بهم مراحل النمو المختلفة بسلام ونجاح أيضاً، ولا يتم ذلك إلا بالاتفاق والتعاون بين الوالدين. فالطفل الذي ينمو في جو تتعايش فيه الأفكار، وتتفق فيه القيم، ويسوده التفاهم والحوار: يشعر بالأمان، وتنمو في وجدانه معاني المسؤولية والالتزام بالقوانين الأسرية، وكلما كان الأداء التربوي للوالدين متفقاً أمام الأبناء، كان من الصعب أن يحاول أحد الأبناء اختراقه أو التمرد عليه، مع التأكيد على أن يسود البيت دائماً جو العواطف الصادقة الحميمة بين الأبناء ووالديهم. (زهرة عاطفة زكريا: التربية الخاطئة وعواقبها،ص:29 بتصرف كبير).

 

المسؤولية أمام الله تعالى مشتركة

إن تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى ولّاهما معاً حفظ هذه الأمانة، كلٌ بحسب موقعه وقدرته، وليس من الصحيح حصر هذه المسؤولية العظيمة في واحد منهما دون الآخر، عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا" }متفق عليه، رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ){.

فقد نص الحديث على مسؤولية كل واحد من الأبوين؛ ليؤكد استقلال كل واحد بهذا التكليف، وفي حديث الفطرة يظهر أيضا كيف أن التوجه الديني للأبناء مبني على توجه أبويهم معا، وليس واحداً منهما فقط ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ" }متفق عليه، رواه البخاري ( 1292 ) ومسلم ( 2658){.

 

القرآن يوجِّه الوالدين إلى التشاور في أمور الأبناء

وفي أداء المسؤوليات المشتركة: جاءت الشريعة بالأمر بوسيلة تؤدي في الغالب إلى أكمل النتائج وأحسنها، وذلك من خلال "الحوار والمشاورة"، ولعل هذه القيمة أعظم سبب لسعادة الأسرة ونجاح التربية، وقد جاء الأمر بالشورى في المسؤوليات المشتركة في قوله تعالى: "فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا"البقرة/233 .

قال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله - : أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه: فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه"تفسير القرآن العظيم " ( 1 / 380).

وتشير بعض الدراسات النفسية والاجتماعية إلى أن كثيراً من المشكلات الزوجية التي تؤدي إلى الطلاق سببها غياب هذا النمط من المعايشة "نمط الشورى" من حياة الأسرة، أو الخطأ في ممارسته، فإن الحوار والشورى فن وعلم، يحتاج دربة وممارسة وتفهما.

 

 

تكاملٌ لا تضارب!

قد تنشأ إشكالية التعارض، بسبب الاختلاف الطبيعي بين طبيعة ودور كل من الأب والأم، فشخصية الأب تمثل القدوة الضابطة للأبناء، وتمنحهم الشعور الكبير بالأمان، أما الأم: فتمثل للأبناء إلى جانب القدوة أيضاً، نهر العاطفة الذي يتدفق بلا توقف طوال اليوم، لذلك لابد أن يكون كل منهما متفهما لطبيعة ودور الطرف الآخر، وبالتالي مؤيداً ومدعماً له في أدائه التربوي، بينما التوازن والتوافق في الأداء التربوي لكل من الوالدين بحيث لا يميل إلى التدليل، ولا يكون معتمداً على العنف؛ يجعل الأبناء يصارحون آبائهم بما يدور بداخلهم من أفكار، وما يتعرضون له من مشكلات، وبالتالي يقلل من خطر التأثيرات الخارجية الضارة عليهم، حيث يصبح ارتباطهم الأقوى وثقتهم الأكبر بوالديهم وأسرهم.

 

كيف يؤثر اختلاف الوالدين على الأبناء؟

من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في وجهات النظر بين الزوجين في بعض أمور حياتهما اليومية، ولكن هناك مساحة لا تحتمل هذا الخلاف، ألا وهي ما يتعلق بالطريقة والنمط المتبع في تربية الأبناء. نعم قد تتباين آراء كل منهما في بعض الأمور، ولكن لا ينبغي أن يصل الخلاف إلى حد تضارب الآراء ووجهات النظر حول تربية الأبناء.

ويظل هذا الخلاف مقبولاً مادام بينهما لم يشعر به الأبناء، فقد تبين علمياً أن اتفاق الوالدين ووحدتهما في الفكر؛ يؤثر إيجابيا في مستقبل الأبناء؛ لذا فإنه من الخطأ إظهار الأبوين أي مظهر من مظاهر الخلاف أمام الأبناء؛ فإذا أصدر أحدهما أمراً، فعلى الآخر ألا يناقضه، بل يجب أن تكون الأوامر والقوانين الأسرية مدروسة بينهما سلفاً، حتى يشعر الأبناء أن سياسة الوالدين التربوية واحدة، ونهجهما في الفكر والقيم واحد أيضاً.

- وقد أكدت الدراسات أنّ إهمال الأسرة أو فقرها أو خلافات الأبوين، قد يؤدي إلى فشل الطفل في ملائمة ذاته في الحياة المدرسية؛ وذلك بسبب تشتت فكره، كما تبين أن هناك علاقة طردية بين التفكك الأسري وأسلوب المعاملة الوالدية من جانب وبين انحراف الأبناء من جانب آخر.

- ذكرت الدراسة أن الطفل الذي يعيش بين زوجين مختلفين دائماً يتعرض للأمراض بنسبة 40% عن الطفل العادي.

- وأظهرت دراسة أخرى: أن سبب انحراف 70-90% من الأطفال الجانحين في المجتمعات الغربية يعود إلى عدم وجود وحدة في الرأي، والاتفاق بين الأب والأم. (هداية الله أحمد الشاش: موسوعة التربية العملية للطفل، ص:115).

 

أهم معالم الاتفاق التربوي بين الوالدين

في انتظار قدوم الطفل الأول: يبدأ الوالدان برسم خطة موحدة لما يرغبان أن يكون عليه سلوك الطفل وتصرفاته.

وفي حال كان الطفل كبيراً، فلا مانع من أن تشجع طفلك على الاشتراك معك عندما تضع قواعد السلوك الخاصة به أو تقوم بتعديلها، فمن خلال هذه المشاركة يشعر الطفل بضرورة أن يحترم ما تم الاتفاق عليه مسبقاً؛ لأنه كان طرفاً في صنع القرار، ويزداد شعوره بأن قوانين الأسرة في صالحه، وأن الالتزام بها يجعله إنسانا جيداً.

كذلك يحقق الاتفاق المسبق بين الأبوين على تقسيم الأدوار: القدرة على السيطرة داخل الأسرة، ومن ثمّ تفادي التصادم أو التعارض أمام الأبناء، وتوظيف الدفء العائلي لصالح الأبناء.

وينصح الخبراء أن يكون هذا النظام التربوي قائم على ثلاثة ثوابت أساسية، لتشكيل شخصية الطفل وتنظيم سلوكياته فيما بعد، حتى يصبح ابنا بارا وفردا صالحا في المجتمع، وهي:

- ثوابت الدين: بمعنى ترويض الطفل على فعل الواجب الديني وترك الحرام، وترغيبه ومكافأته حين يلتزم بتلك الثوابت.

- الالتزام بالقوانين: بمعنى تعليم الطفل معنى القانون بأيسر الأساليب، مثل: احترام إشارة المرور، احترام الشرطي، والحفاظ على نظافة الشارع وما إلى ذلك.

- ترويض الطفل على قانون الأسرة: بمعنى الالتزام بسلوكيات الحياة اليومية، من مسموحات متاحة في قانون أسرته، واحترام الممنوعات من شروط الدخول والخروج، ومن مواعيد للنوم والأكل وشروط تكوين الصداقة، على أن يكون ذلك بدون سحق لشخصية الأبناء، وإنما هي قواعد يضعها الأم والأب، ويحترمها الأبناء ويلتزمون بها.

من خلال هذه الثوابت: يستطيع الآباء توجيه أبنائهم، ومن ثم السيطرة عليهم بشكل إيجابي وبدون تلك الثوابت الأساسية في التربية، سينصاع الآباء لأهواء الطفل، وتصبح الحياة فوضى خالية من أي قيم ومبادئ ومن ثم ينفلت الزمام، ولا تستطيع الأم أو الأب ضبط الأبناء وخصوصا في مرحلة المراهقة. (د.جاسم المطوع: مقال: الاتفاق المسبق بين الوالدين على تقسيم الأدوار).

 

وأخيراً عزيزي المربي:

إذا استمر التعارض قائماً بين أسلوبَيْ الوالدين في التربية؛ فلا تتردد  في استشارة المختصين من أهل الخبرة والتخصص، مثل: المراكز الاستشارية الأسرية والتربوية، والمواقع الإلكترونية التي تتيح أبواباً للاستشارات التربوية، يجيب عليها أهل الخبرة من المختصين، ولا ننس قبل كل ذلك وبعده: الاستعانة بالله تعالى في شأن تربية أبنائنا، فإنه سبحانه الهادي إلى سواء السبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-  التربية الخاطئة وعواقبها: زهرة عاطفة زكريا.

-  موسوعة التربية العملية للطفل: هداية الله أحمد الشاش.

-  مقال: الاتفاق المسبق بين الوالدين على تقسيم الأدوار: د.جاسم المطوع.

 

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...