ليتك يا أبي مِت وبقيت أمي!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
11 - ربيع أول - 1439 هـ| 30 - نوفمبر - 2017


1

كانتا أكثر من صديقتين، فلقد كانت تحب والد صديقتها؛ لأنه كان الصديق المقرب لوالدها، وتحب أم صديقتها؛ لأنها كانت الصديقة المقربة لأمها.

لذا أتيحت لصداقتهما الكثير من الوقت، لتنضج على نار هادئة، فلقد كان للأسرتين الكثير من الأنشطة والرحلات المشتركة.

وفي إحدى رحلات السفر، حدث لنا ما حدث لمعظم أبناء بلادي من وفيات؛ بسبب حادث مؤسف على الطريق، ذهب ضحيته أمي ووالد صديقتي، ودارت رحى الأحزان بعدها، فقد حضننا والدي وهو يبكي، وقال: أعدكم أن أعوضكم حنان أمكم.

حضنت أم صديقتي أبناءها، وقالت: سأكون لكم أبا وأما. ودعنا نرى: أي الفريقين أحق بالتصديق؟

بعد أن مضى أسبوع العزاء، بدأ أبي بخطبة النساء.

اشترت أم صديقتي لكل ابن من أبنائها ما يتمناه من جهاز غالي الثمن، بالطبع بخل علينا والدي، لأنه ملزم بدفع مهر وسفر وتغيير المنزل للعروس الجديدة.

قامت أم صديقتي بتسجيلهم  في برامج عديدة، البرنامج تلو البرنامج، لتخفف المصاب على أبنائها وعمل المفاجآت لهم، كان آخرها مفاجأة حفلة وكيكة النجاح.

فاجأنا والدي بعروس يمسكها بيده، ويصدر فرمانا: هذه أمكم!

أول مرة في حياتي أسمع أن الأم تقدم! لقد نسي والدي أن الطفل حديث الولادة يتعرف علي أمه بالفطرة، بترمومتر خفي يخبرك أن هذه المرأة تحبك أكثر من أي شيء في حياتها.

واستمر أبي في فرماناته، وعليكم السمع لها والطاعة.

وتبسمت زوجة أبي فرحة بما تسمع، فكانت هذه أول وآخر مرة أراها تبتسم.

لم تحبنا قط، وكانت تتضايق مني ومن إخوتي، كان بودها لو تنشق الأرض وتبلعنا، ويبقى أبي.

رغم  أن والدي قد اشترط  عليها أن أولادي هم أولا وآخرا.

ولكنها يبدو أنها ليست من المؤمنين الذين يوفون بوعودهم.

أذاقتنا زوجة والدي الهم والغم، وكل كلمة في قاموس البؤس والشقاق.

كيف تعيش في بيت، وعيون زوجة والدي ترقبني كرادار! وتنقل الأخبار الكاذبة لوالدي وأمامي.

فشعارها: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

أما والدي فلقد كان مصابنا الأعظم.

يبدو أنه قد افتتن بفتنة النساء، وانضم لزوجته ضد أبنائه.

وأصبت باكتئاب نفسي، وتبعني إخوتي الواحد تلو الآخر، كل على شاكلته، وبالطبع تدهور مستوانا التعليمي!

 

وعلى الجانب الآخر من موضوعنا: نجد صديقتي يتيمة الأب، وكذلك إخوتها من تغير، فلقد فاجأني تفوقها هي وأختها.

لقد نضجت شخصيتها وأصبحت أكثر ثقة في نفسها من قبل، بينما تحطمت شخصيتي، وأصبحت أعيش بلا هدف ولا هوية.

أنهت صديقتي الثانوية بتفوق، وقبلت في الجامعة بينما أنا...!

لم يعد الأمر يعنيني من سيفرح لي؟ أهو أبي أم زوجته؟

لم يبق أمامي إلا الطريق الوحيد للخلاص، وهو الزواج، ومن أول طارق دفع بي أبي غير مأسوف علي.

من عظم فرحته بالخلاص مني، لم يسأل والدي كما ينبغي عن زوجي، حتى اكتشفت أنني هربت من الجحيم إلى جهنم، ولعل الله لطف بي وعجل لي بذرية، فكانوا كواحات من الجنة في وسط جهنم، ألجأ إليهم كلما لسعني حر جهنم.

صديقتي تخرجت من الجامعة وسعى لها الأخيار وتوظفت.

صديقتي تقدم لها الخطاب، ففزع لها العالم أجمع للسؤال عنهم، واختير لها أفضل شاب تم انتقاؤه بعناية، فخرجت معززة مكرمة من بيت أهلها، وعاشت مع زوجها معززة مكرمة.

التقينا  مؤخرا، وتذكرنا أمواتنا فبكت، ومن كثرة ما لقيت أنا من مصائب لم أبك، ربما لأنني قضيت طوال هذه السنين في بكاء، فلقد نفد رصيدي من الدموع، ربما ما أعيش فيه من شقاء يتطلب مني أن أكون أكثر جلدا.

وفي وسط دموعها رفعت رأسها إلي، فتفاجأت بعيون تبحلق بها باستغراب!

كانت هذه عيوني

سألتني مابك؟

ـ لقد كان موت والدكِ خيرا عليكِ، من نجاح وتفوق، وتخرج ووظيفة، وزوج صالح تحبينه ويحبك، لقد زدت جمالا وشخصية وسعادة

ومنذ ماتت أمي، وأنا أتنقل من تعاسة إلى أختها.

بالطبع لم أعلن لها هذا.

تنهدت بأنفاس حارة تحرق العالم.

ـ ليتك يا أبي مت، وبقيت أمي.

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...