مأساة نساء الرافدين.. والمكتوب على الجبين

أحوال الناس
07 - ربيع الآخر - 1424 هـ| 08 - يونيو - 2003


 بغداد: كانت "عشتار" الأسطورة رمز الحب عند العراقيين القدماء تعشق الرجال الأقوياء وتبحث عن القوي دائما..ً افتعلت الحرب لتختار أبطالها ولتصبح رمزاً لها.

تزوجت "عشتار" كل من رغبت بهم إلا واحداً رفضها ولم يرضخ لتهديداتها بتدميره وهو "جلجامش" صاحب الملحمة المعروفة.. وتحولت "عشتار" إلى معلومة في كتب التاريخ، وتمثال مرمري في المتاحف، واستمرت صنيعتها الحرب إذ تمضي "عشتار" في حروبها، وتختار الرجال من مختلف الشرائح متجملة بالأسلحة والدبابات وصابغة شفاها بأحمر دموي، وتلتهم آلاف الآلاف من الرجال، وتبقى النساء المسالمات ينتظرن الرجال ليصبح الانتظار صعبا ومتعباً ومجهول النهاية.

واليوم تتساءل نساء العراق: لو كان جلجامش قد رضخ لعشتار هل كانت الحروب قد استمرت؟!.

ففي العراق وبسبب ثلاث حروب التهمت الرجال والشباب منهم، بقيت آلاف النساء المولودات خلال عقدي الستينات والسبعينات دون زواج ينظرن إلى الغد وحيدات دون رفيق.. تقول "إيمان أحمد" (41سنة): تزوجته وكان ضابطاً في سلاح الدروع.. عاد من الحرب في إجازة وبعد سبعة أيام غادرنا وبعد أسبوعين من مغادرته جيء به إلينا شهيداً فدفناه وكنت أزور قبره كل خميس.

وتضيف: استمر الحال مدة سنتين فجاءتني عمتي أم زوجي الشهيد وقالت لي لا ينبغي أن تبقي بلا زوج وأنت شابه سنزوجك من شقيق الشهيد ويجب أن تقبلي بالأمر الواقع ولا تنسي أن لك أطفالا وعمهم أولى برعايتهم.. وافقت وتزوجت عم أطفالي وشقيق زوجي وبقيت عند زوجي الثاني أربعة أعوام.. كنا نذهب مع زوجي الثاني إلى قبر أخيه الشهيد كل خميس.

وفوجئت بعد سبع سنوات من دفنه على انه شهيد يعود ويطرق الباب بعد منتصف الليل.. وأتطلع من شباك النافذ وإذا بي يغمى علي.. وبعد أن أفقت ذهبت إلى بيت أهلي فأنا أرفض أن أكون زوجة لأي من الأخوين.. وانتهت أحلامي.. فالحروب لا تترك أحلاماً.. وها أنا امرأة ليست لأحد!.

وتقول "لبنى عبد الحليم" ـ وهي مديرة تنفيذ من مواليد 1962: تعرفت به في كلية الحقوق وتزوجنا بعد التخرج وذهب إلى الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يعد منذ العام 1987م.

وتقول: كنت وما أزال أحبه حباً كبيراً.. انتظرت عودته دون جدوى.. فلم يعد واستمر مفقوداً.. ولم تأتني منه أي رسالة أو خبر.. حتى عد شهيداً.. فطلقته غيابيا وكنت يائسة.. وكنت أحلم في البداية.. لذا كنت أشتري هدايا وقصصا لابني الصغير احمد الذي ولد ولم ير أباه على أساس أنها من أبيه المسافر.. ولما كبر احمد عرف أن والده مفقود في الحرب.. وظل يحلم وينتظر حلمه لرؤية والده.. وتعودت حياتي على الانتظار الطويل دون جدوى.. فلا خبر ولا رسالة.

وتضيف: فوجئت ذات ليلة من ليالي عام 1998م برجل يطرق الباب في الواحدة ليلاً وبلحية كثة.. وكان قد ذهب إلى الجيران يسألهم عنا.. فقد غيرنا منزلنا خلال غيابه.. ومثل أمامي كما يمثل الحلم.. وكنت حائرة كيف أخبره أنني انفصلت عنه قانونا وعرفا وشرعا بسبب انقطاع أخباره.. وشعورنا بأنه استشهد.. وكان فترة غيابه  12سنة من المعاناة.. وقد حاولت تطبيع حياتي معه.. ولكني شعرت أنني بحاجة إلى وقت أطول كذلك هو بحاجة إلى فترة.. وكلانا بحاجة إلى تأهيل من جديد وحين اقتنعت بالعودة إليه منعني الخوف.. إلى أن اصطدمت بواقع مرير يشبه "الشيزوفرينيا".

وتقول: تعذر تطبيع علاقاتنا.. فقررت مرغمة على أن أعتبره في عداد الأموات.. وفعلاً لم يمض اكثر من شهرين حتى جاء من يخبرني أن أبا أحمد قد رحل رحيلاً بلا عودة.. فقد غيبه الموت وغابت معه أحلامنا التي أحرقتها الحرب والضياع والغربة والأسر وكأننا كنا في حلم وقد انتهى!.

أما الدكتورة "وفاء" فلها قصة أخرى؛ تقول: إن زوجي ذهب إلى الحرب ولكن لم تغيبه هذه الحرب.. وحدث الحصار فقرر السفر إلى الخارج بعد أن باع كل ما يملك لكني لم استطع العيش خارج العراق وهو أيضا.. ولكن ظروفا قاهرة تدفعني لذلك وهناك أصيب بـ"الحنين إلى الوطن" لقد كان الحنين قاتلاً.. فذهب إلى الطبيب ليخبره الطبيب في كيفية علاج "الحنين" الذي أقض مضجعه.. فقال له الطبيب: تريد نهاية مرضك؟ فقال له نعم!.. قال له تدفع1000دولار أو تدفع 3000دولار.. فطلب توضيحا من الطبيب.. فأجابه الطبيب: إذا كنت تريد دفع1000دولار فما عليك إلا أن تشتري بطاقة سفر إلى بلدك وينتهي مرضك.. أما إذا كنت تصر على البقاء.. فسيتفاقم المرض ويوقف كليتيك أو قلبك أو يحدث لك مضاعفات ثم إلى الموت.. ولما كان لا يستطيع العودة "بخفي حنين" بعد أن باع كل شيء فظل يصارع حتى توقفت كليتاه ليدفنه أصدقاؤه بعيداً عن وطنه وعني.. وبموته انتهى الحلم ولم يعد له وجود حتى في الذاكرة وهذه هي الحروب!.

وتقول الدكتورة "خلود عبد الجبار" إنها فقدت زوجها في الحرب وانتهى الحلم ولكن هل تبقى في سن 37عاماً بلا زوج يمنحها الحنان والأمن والحماية.. وتضيف: جيلنا الذي غيبته الحرب وظل بقايا من بقايا.. ذلك الجيل عاد إلى الوطن.. هؤلاء لم يختاروا نساء في مثل جيلنا.. بل صاروا يختارون فتيات أصغر من جيلهم الذي هم في عمره.. تتركونا إلى الخلف واختاروا فتيات السبعينات وربما الثمانينات.. ليفوتنا قطار العمر فقد انتهى العمر وأصبح ضبابيا غامضا لا مستقبل فيه!.

أما "نجوى النعيمي" فتقول: إن الحصار و الظروف الصعبة تركت بصماتها على حياتنا فالشباب العراقي لا يستطيع تكوين بيت وبناء أسرة في ظل ظروف بالغة التعقيد لم يستطع الإنسان بها أن يعيش فكيف أن يتزوج ويبني أسرة ويعيل زوجة ويتحمل مسؤولية أطفال وهو لا يستطيع أن يجد ما يأكله وما يسد به رمقه لست ادري؟!.

غير أن الحروب أضافت مآسي جديدة لعشرات النساء، فـ"شذا عبد الجبار" استشهد زوجها وهي في بيت أهلها تعول طفلها أحمد وابنتها لميس، إلا أن شظية أصابت طفل التاسعة فقتلته خلال عدوان أمريكا وبريطانيا على العراق؛ وهاهي تفقد كل شيء حتى الطفل الذي تنتظره في الحياة.

غير أن زوجة شهيد آخر هي "منى سلمان" تعيش في بيت أبيها منذ أن استشهد زوجها قبل إحدى عشرة سنة، عندما انفجر فيه لغم وأودى بحياته؛ تقول: السنين تمضي ونحن نمضي معها بلا أمل.. فقد انتهى الأمل في حياتنا.. ولا أمل بالعودة في الصغر.. لقد مر بنا قطار العمر مسرعاً وانتهى الأمل!.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...