ماذا لو أنك لا تقاومُ وحدَك!! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ماذا لو أنك لا تقاومُ وحدَك!!

أدب وفن » دوحة السرد
13 - شعبان - 1440 هـ| 19 - ابريل - 2019


1

كانت الفاجعة اثنتين.. ولم ينقضي اليوم الأول حتى صارت ثلاثا.. اليوم -صباحا- ذيَّل قائمة الخسائر ب "عمله"، دون إنذار مسبق.. لكن في واقع الأمر.. لم يكن بحاجة لأي إنذار؛ فالإشارات الباهتة على مدار العامين كانت كافيةً ليدرك أن هذا ما سيحصل يوما ما.. الأمر برمته كان مسألة وقت لا أكثر! على ذكر الوقت.. لم يعد يُسعفه لأن يفكر.. لا وقت حتى لاستيعاب الصدمة.. عليه أن يسرع ولكن إلى أين؟! الملجأ الوحيد الذي بوسعه الفرار إليه الآن غير متاح.. منذ أشهر أصبح من المحظور عليه اللجوء إليه -وهو الذي أسماه وطنَه-.. فإلى أي مكان آخر ينشد الوصول!؟ من أقصاه مأواه ومسقط رأسه من غيره يستقبله!

حدث نفسَه بنبرة حزينة تكسوها الحسرة: "لو كان حسام بالقرب لكان أوجد عوضًا عن الحل عشرات".. ثم ما لبث أن استطرد: "الحمد لله على كل ما قضى.. شفاكَ الله يا حسام.. شفاك الله!"

انتبه إلى أنه شرد بذهنه كثيرا فعاد إلى حيث ينبغي أن يكون.. "لا وقت لكل هذا.. سأحادث والدتي علها تخفف عني" ثانيتان لا غير تفصلانه عن تأنيب نفسه: "أيُّ حماقة تلك! بمَ ستخبرها؟ أنك خسرت عملك؟ وأنك لن تبعث لها بالمبلغ الذي اعتدتَ إرساله فتتكئ على معاش والدك الواهن؟ يالك من عاق!"

أفاق من محادثة العتاب تلك على صوت هاتفه.. إنها والدته! حملَ هاتفه ليجيب وابتسم رغم كل شيء!

إلى أي مدى تشعر الأمهات بأبنائها؟ منذ أن كانوا رضعًا لا يفقهون قولا ولا يعلمون شيئا وحتى بلغوا أشدهم.. يراهم الجميع رجالًا كبارًا لكنهم أطفال في نظر والداتهم.. وإن بلغوا من الكبر عتيا..! صدقت المقولة التي وشَت بالحقيقة: "يظل الرجل طفلًا حتى تموت أمه؛ فإذا ماتت شاب فجأة"

أجاب على والدته.. أخبرته باشتياقها إليه وعاتبته أن لم يحادثها طيلة الأسبوع.. استماحها عذرًا وطمأنها: "أنا بخير، كل شيء على ما يرام".. لم تصدقه ولكنه أكد.. أنهى مكالمته.. تمنى لو أن الأمور تتحسن ليكون صادقًا في ما قال..

عزم أمره.. سيذهب غدًا عقب صلاة الجمعة إلى أحد معارفه هنا.. الأمر ثقيل عليه لكنه سيفعل فلا مفر من هذا.. عليه أن يسرع إذًا.. ولكن أولا عليه أن يطمئن على صديقه.

**

فتح عينيه ببطء شديد.. ممد على سرير أبيض في غرفة لا تكسر قاعدة اللون الأبيض تلك.. علق بصره في اللا شيء.. ثم التفت يمنة ويسرة بحركة يسيرة.. الغرفة خاوية.. "كم من الوقت قضيتُ هنا!" بحث بعينيه عن هاتفه فلم يجده.. تأفف بضجر.. بعد دقائق فُتح الباب ليلج منه والده الذي أسرع بالدخول حين رأى ابنه ينظر تجاه الباب.. اتجه إلى ابنه بلهفةٍ غير مرتِب لما يقول: "حسام! كيف أصبحت يا بني؟! متى أفقت؟ سأنادي الطبيب فورًا.. لا تتحرك!"

ابتسم حسام بسخريةٍ من الكلمة الأخيرة: "وكأن الخيار أمامي لأتحرك!"

عاد والده برفقة الطبيب الذي ألقى السلام على حسام بابتسامة: "ماشاء الله، أراك أحسن حالا اليوم" تهكم حسام.. وكأنه كان يعلم كيف حاله بالأمس أو قبل الأمس.. هو لم يستفق إلا اليوم!

منذ وقوع الحادثة وحتى الآن يرى كل شيء بنظرة هزلية ساخرة.. كيف يمكن للجميع أن يتحدث بتلكم البساطة!

أجرى الطبيب التحاليل اللازمة وأخذ القراءات التي احتاجها مؤكدًا أن حال حسام أصبح مطمئنًا أكثر وأنه سيتعافى قريبًا..

باغته حسام بالسؤال: "متى أتمكن من الخروج؟!".. أجابه: "قريبًا، ليس عليك أن تقلق، استرح الآن فقط."

بعد مغادرة الطبيب تذكر حسام صديقَه أحمد.. سأل عنه والده.. فأخبره أنه قد حادثه قبل أن يفيق بدقائق.. فجأة تحدث والده بحماسة وكأنه تذكر شيئًا مهمًا: "لم أخبره بعد أنك قد أفقت، سيسعد كثيرًا.. حديثكما سيهون عليكما!".. ابتسم حسام لكن الكلمة الأخيرة استوقفته: "ماذا قصدتَ بعليكما؟ ماذا حدث؟!" تغيرت نبرة والده الذي شعر أنه ارتكب خطأً فادحًا في خضم حماسته الزائدة، لكنه استدرك: "أحمد فقد عمله صباحًا.. لكن لا تقلق فلقد أخبرني أنه..." لم ينهي الوالد جملته إلا وحسام يقاطعه بقلق بادٍ لم يستطع إخفاءه: "أبي، أنت لا تعرف أحمدًا كما أعرفه.. لن يستطيع التصرف بمفرده.. يجب أن أخرج من هنا!"

كان حسام يعلم أن صديقه في ضائقة شديدة تكاد تكون الأكبر في نظره.. هو يعول والدته والعبء ليس واحدًا عليه.. ثمة عبء آخر.. "نفسه اللوامة"! لا شك سيلوم نفسَه ولن يكف عن جلدها كأنها السبب في ما حدث..

أحمد الصديق الذي لطالما أذهل حسام برَّه بوالدته.. كيف كان طيلة فترته هنا.. منذ أن اغترب لأجل العمل بعد وفاة والده يطرح نفسه في آخر اهتماماته مُبديًا والدته على نفسه.. بل لو تطلب الأمر منه أن يقصي نفسه أصلا من تلك الاهتمامات لفعل.. أحمد مر بالكثير ولم تزل المشاكل تواتيه بين الحين والآخر؛ منذ وصوله وحتى تم اقحامه في أمور سياسية حُظر من السفر جرَّاءها.. كيف أن ذلك ذلك الأمر أثر على عمله.. كان يعلم بأنه سيصل إلى هذا الحال يومًا.. لكنه كان يبذل أقصى ما يمكنه على أتم وجه..

كان حسام يتذكر صديقه الذي سانده دائما.. حين كانا يقطنان في المدينة نفسها.. وحين سافر هو إلى مدينة أخرى.. ووقت الحادثة التي أردته طريح المشفى.. لم تعق المسافات صديقه أحمد الذي كان يأتي لزيارته رغم كل شيء.. فكيف له أن يتخلى هو عنه الآن؟ عزم في نفسه أنه لن يعيقه شيء عن مساعدته.. حتى ذاك المشفى الذي هو حبيسه منذ أسبوعين..

لم يستمع لوالده الذي تفاجأ من قراره بالذهاب إليه.. حادث الطبيب وأخبره برغبته.. سيتطلب الأمر عدة إجراءات وبعدها يخرج من هنا.. على كرسي متحرك!

**

ظهيرة الجمعة.. كان أحمد في طريقه إلى أحد أصدقاء والده القدامى حينها وصلته رسالة أذهله محتواها: "احزم حقائبك.. يجب أن تبكر بالسفر إلي اليوم؛ فلديك مقابلة عمل صبيحة الأحد"..

لم يستطع أحمد تحديد ما يشعر به.. إن كان دهشة أم سعادة.. تأكد من اسم المرسل (حسام).. كيف؟! لقد كان يحادث والده بالأمس وأخبره أنه لم يفق بعد.. ما الذي يحدث؟

انتبه على صوت هاتفه الذي ظهر عليه اسم حسام مجددًا.. أجاب الاتصال على الفور غير مصدق أن حسام يتصل به..

حادثه صديقه وطمأنه على حاله وأنه سُمح له بمغادرة المشفى.. سعد أحمد كثيرًا بحديث صديقه وارتاح قلبه أن اطمأن عليه.. سأله باستغراب عن سر مقابلة العمل.. كيف علم بالأمر أصلا..

قص عليه حسام وشاية والده بأمره -مازحًا-: "لا تقلق، تطلب مني الأمر مكالمة واحدة مع م.خالد (مدير الشركة التي يعمل بها) ليكون لك مكانٌ هنا.. أوَ كنت تستهين بقدراتي؟!"

لم يستطع أحمد أن يعبر عن امتنانه لصديقه كما يجب.. ذاك الذي أخفى عنه حقيقة مروره بالعديد من الأشخاص والجهات حاملًا سيرة أحمد الذاتية حتى يتمكن من توفير تلك الفرصة.. يوم واحد فقط لكنه عنى الكثير لكليهما..

يوم واحد يتنقل فيه حسام على كرسيه المتحرك منذ غادر المشفى وحتى وصل لمراده.. لم يسترح أو يكل عن إعانة صديقه قدر المستطاع.. أخبره كذلك أن الراتب الأول لن يستلمه إلا عقب الشهور الثلاثة الأولى.. وأنه -آسفًا- لن يستطيع التدخل في ذلك الأمر.. ويأمل أن يتقبل منه المبلغ النقدي الذي أرسله إليه صبيحة اليوم إلى حين يستقر أمره..

كان حسام يحادث صديقه ويطمئنه أن الكربة ستنفرج بعد ضيق: "أنت -يا أحمد- بار بوالدتك.. معين لها.. تكفيك دعوة منها لتستقيم أمورك.. هي بركة أيامك يا أحمد.. أثق أنها لا تكف عن الدعاء لك لوهلة كلما طرأت ببالها.. ولا أظنك تغيب عن بالها أصلا!.. مادمتَ مُرضٍ لها فأنت مُرضٍ لله.. وكفى برضاه ورضا الله خيرًا وهناءً في الحياتَين."

أجزل أحمد لصديقه الشكرَ ودعا له بخير الجزاء كثيرًا.. أنهى المكالمة وهو لا يظن أنه قد يكون أسعد حالًا من الآن.. شرع في تجهيز حقائبه وعبارة واحدة تدور في ذهنه "هذا ما يحدث لو أنك لا تقاوم وحدَك!".

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...