متى يسعنا العالم؟ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

متى يسعنا العالم؟

أدب وفن » دوحة السرد
01 - رجب - 1440 هـ| 08 - مارس - 2019


1

في ساعات متأخرة من الليل نهض من مَرقَده.. لم يكن نائمًا كما هو حال الآخَرين، أعفاهُ عن النومِ تفكيرُه وشرودُهُ والأوراقُ المبعثرَةُ على مكتبه..

حينَ آثرَ البقاءَ في حضرة تلكمُ الأوراق كان يهدفُ إلى ترتيبها، فقَد أزعجَهُ مظهرُها! بعضُها ممزَّقٌ لا يدري لِمَ لازال مُبقيًا عليه، فالنفاياتُ أَوْلى بهِ من مكتبه! والبعضُ الآخرُ مصفَّدٌ بعشوائية ومُلقَى أرضًا.. وآخِرُ جزءٍ هو ذاك الذي عاثَ فيه القِدَمُ فسادًا، جفَّ الحبرُ علَيه، وبهتَ الرصاص فوقَ أسطُره فلا تكادُ تفهمُ ما كُتِب؛ لو أنك لستَ الكاتب!

الهدفُ -في بادِئِ الأمر- كانَ ترتيبَ فوضى أوراقهِ العارمة، ولكنهُ حينَ حمَل أولَ ورقةٍ همَّ برِميِها، قرأها سِراعًا ليسترجعَ ما حوَته، ومع أول سطرٍ ضربَ بهدفه السابقِ عرضَ الحائط، وأبدَلهُ -دونَ أن يلحظَ- بآخَر غيره..

لن يُرتب فوضى أوراقه، سيُرتبُ فوضى نفسه.. تلك التي ضاقت عليه يومًا فوسعَتْها الأوراق.

لملمَها، ليس إلى النفايات ولكن إلى زاوية مكتبه، رتبها بعناية، ثم حملَ أخرى بيضاءَ فارغة..

وضعَ نصب عينَيه إبراز النقاط التي حالَتْ بينهُ وبين “السعَة”.. يُسائلُ نفسَهُ متى يتخلَّصُ من ثقلها.. ولو أنهُ فعَلَ لوَسِعَهُ العالم برُمتهِ حتمًا..

سيعاتب ذاته، سيصدُق، سيصل.. شرعَ يكتُب:

متى سيسعُنا العالم، يحتضن أمنياتنا الصغيرة؛ حتى تكبر.. ثم يعيدها إلينا وقائعَ لا أوهام.. متى؟! في كل الأحوالِ يبقى العتبُ علَينا، من السذاجة أن نعاتب عالمًا على إخفاقاتنا..!

متى "سنحيا بعد كُربتنا ربيعًا كأنَّا لم نذُق بالأمس مُرًّا”.. نجاوزُ أول عقباتنا وأكبرها، تلك التي طالما كانت حجتنا العُظمى لتبريرِ التقهقُر والفشل، رفَضنا الاعترافَ بأثرها السلبي، وآثرنا الاحتفاظ بها، فَمتى نتخطاها ونقوى على إقصائها بعيدًا جدًا؛ فيسعُنا العالم!

متى سنكُفُّ عن تجاذُبِ أطرافِ الصمت، فندسُّ في السكونِ أحاديثَنا التي خبَّأْنا، نستعيرُ -بلُطفٍ- كلماتٍ تدرُّ علينا حبورًا وجمالًا، فيسعُنا العالم!

متى تَشُقُّ الإنجازاتُ طريقَ أمانينَا الأجْدَب، ونَرى اليرقات العجافِ غدَتْ تحومُ فَراشًا، متى تقتحمُ الخُضرةُ خريفَنا المكفهرّ، تُبعِدُ عنَّا كآبتَهُ أو تُبعدُنا عنها، متى يتبدَّدُ الضعفُ لنُصبِحَ أقوى، نقتُلُ الوهنَ الذي أرغمَنا أن نقف مطأطئي الرؤوسِ حزانَى، متى نتغلَّبُ على سلبيتِنا المُضنِيَة؛ فيسعُنا العالم!

متى سنُلقي أثقالَنا المُهلِكةَ بعيدًا عنَّا، دونَ أن يتملَّك الندمُ شعورَنا؛ ثم نُصبحُ من بعدِها خِفافًا، نَطيرُ حقًا لا مجازًا؛ فيسعُنا العالم!

متى سنمضي مُطمئنِّين، لا نكترثُ بالطريقِ الوعِرةِ خلفَنا، لا يعنينَا كم تضمُّ من المخاطِرْ.. نمضي وحسْبْ، نُوْلي الوجَل ظهورَنا ونسيرُ كما الملوك، بهامةٍ مرفوعة، وبثقةٍ لا تهُزُّها العواصِفُ من ورائها؛ فيسعُنا العالم!

متى سننْفضُ الغبارَ عن عهودِنا القديمة، فنُراجِعُها ونَفِي بها، حتى الصغيرةُ منها التي سوَّلَت إلَينا أنفُسُنا نكثها، فلَمْ نحتَرمْ قُدسيَّتَها ولم نُعِرْها اهتِمامًا.. متى سنُحيي ذبولَها في أنفُسِ الذينَ عاهَدْنا، نُجدِّدُها، ونُخبِرُهُم أننا سنسعَى لأنْ نكونَ أهلًا لمسؤوليتِنَا التي تناسَيْناها، نُرَبِّتُ على قلوبهِم ونُطمئنُهُم أنْ: “لا ضَيْر؛ زلَلْنا ثُمَّ أسِفْنا فَعُدْنا، وما العهدُ يومًا قدْ خُنَّا"؛ فيسعُنا العالم!

متى سنلتقي كأنْ لا فراقَ بَينَنا قدْ كان، كأنْ لا حُزنَ خَيَّم على قلوبنا يومًا، نحظى بهُدنةٍ كأنْ لا حروبَ قد اندلعَت، ولا خرابَ فيناَ قدْ كان، نُعمِّرُ دواخِلَنا العتيقةَ بأساسِ الرِضا وزُخرُفِ الصَّفح؛ فيسعُنا العالم!

متى سنرحمُ أرواحَنا من أنانيَّتنا المُخزِيَة، ونعِي أنَّ لأنفُسِنَا علَيْنا حقا، وأنَّ حقَّها لن تنالَهُ بمَعزِلٍ عن الله، متى سنُحرِّكُ أخيرًا ركودَ بَوحِنا في سجدة؛ لتَسلُكَ الراحةُ مجاريها فينا، نستَيْقظُ من انتكاسَتِنا التي طالَت، ونعودُ إلى الله، نهجُرُ الذنبَ الذي استمْرَأنا، ونهدمُ الحواجِزَ التي خَلَقْنا، فنَتوب توبةً نصوحًا؛ إن ضاقَت علَيْنا الأرضُ بما رحُبَت ستسعنا ركعَةٌ لله؛ فيسعُنا العالم!

الأسئلةُ لن تنتهي، ولن تنفكَّ تنهالُ علَينا من كل جانبٍ لو واتَتْها الفرصةُ لذلك.. وتبقَى الإجابةُ على كل سؤالٍ يُستهَلُّ ب"متى” واحدةً لا تتغيَّر:

لو أننا اجتزنا سلبياتنا تلك، وحققنا المرجوَّ من وجودنا في مثل هذا المكان..

وافَيْنا واجباتِنا على أنفسِنا وعلى غيرِنا لَعِشنا بسلاسةٍ أكبرَ إلى أنْ نُفضي.. ولَعرفَت البساطةُ طريقَها إلينا..

السعادةُ ليست متوقفةً كما نظن.. هيَ تتقدمُ إلينا، ولكن حَبْوًا.. وعلَيْنا نحنُ أنْ نُسرعَ لا هيَ؛ حتى نصل!"

آخرُ كلمةٍ كتبَها صاحبَت صوتَ الأذان؛ مُنبئًا بدخول وقت الصلاة للفجر.. كل كلمةٍ ولَجَت إلى مسمعه كانت تتركُ فيه أثرًا عظيمًا، كأنهُ يسمعها لأولِ مرة.. غزَتهُ راحةٌ لا مثيلَ لها.

وضعَ قلمهُ جانبًا وقامَ يحث خطاه إلى المسجد.. بقلبٍ غير ذاك الذي كان يسكنهُ قبل ساعات.. لا شتاتَ يلوثهُ ولا حيرة تتملَّكَه.. كما رتب المشاكلَ فقد رتبَ العلاجَ أيضًا.. ومضى ينتظرُ الصلاة

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...