محامية نادي الأسير الفلسطيني تبوح بآلام الأسرى لـ"لها أون لاين"

عالم الأسرة » همسات
27 - شوال - 1426 هـ| 28 - نوفمبر - 2005


هي امرأة فلسطينية متعاطفة كغيرها مع قضية الأسرى أحد أهم القضايا العالقة مع الكيان الصهيوني، إلا أن طبيعة تخصصها وعملها فرضت عليها أن تكون أيضاً مدافعة عن حقوقهم المسلوبة - حتى خلف الشبك والجدار الأسمنتي - التي طالما آمنت بها.. إنها "حنان الخطيب" محامية نادي الأسير الفلسطيني، التي يحق لها ما لا يحق لغيرها، فقد كانت الوحيدة التي لها الحق أن ترى الأسرى الفلسطينيين في عزلهم الإنفرادى، فتمدهم بصبر وقوة ما اكتسبتهما إلا من إرادتهم وتحديهم لقضبان الأسر اللعين والجدران السوداوية القاتمة.
"لها أون لاين" تدنو منها لتبوح لنا بآلام أسراها التي أفردت لهم جل وقتها وجهدها، تتحدث عن أحلك المواقف التي مرت بها وبهم، عن إخفاقاتها ونجاحاتها تحكي بلسان الحق وبه أيضاً تروي العذابات والآلام التي يلقاها الأسرى خلف القضبان وفي حضرة السجان..
التفتيش العاري المذل، العزل الانفرادي، الضرب والشبح والمكوث أياماً على كرسي الاعتراف أثناء فترة التحقيق، ناهيك عن الشتم والقذف والنعت بألفاظ نابية وصفات لا تمت للإنسانية بصلة، كلها انتهاكات صهيونية بحق الأسرى الفلسطينيين وغيرها كثير، نسمعها ونقرأ عنها فتدمع عيوننا دمعاً وتدمى قلوبنا دمعاً على حال أشقائنا وفلذات أكبادنا، وسندنا وعوننا في الحياة القاسية المريرة، ولكن حين ترى بعينك وتسمع بأذنك وتلمس بديك جُّل تلك الانتهاكات لا تجد كلاماً ولا تكفي الدموع حينها للتعبير، فقط يكون الصمت سيد الموقف، هكذا بدأت محامية نادي الأسير الفلسطيني "حنان الخطيب" حديثها المطول معنا، قالت وأجملت كلماتها في عبارة واحدة "ليس من يرى ويعايش واقعاً كمن يسمع خبراً"، أجيبها لذلك قصدناك لنفتح معاً ملف الأسرى نسلط الضوء عليه من جديد، تبتسم وتشير إلينا بالجلوس لنبدأ تقليب صفحات ملف ثاني أهم القضايا الفلسطينية العالقة بعد قضية القدس والمسجد الأقصى..
معاناة الأسرى خلال التحقيق
داخل مكتبها كانت الأرفف، وكذلك الأدراج تضيق بحجم الملفات التي اصطفت عليها أفقياً ورأسياً، وكلٌ منهم عنون باسم صاحبه وتاريخ توليها أمر قضيته، أما أوراقه الداخلية فكانت عبارة عن صورة شخصية للأسير يتبعها بيانات شخصية عنه سبب الاعتقال وتاريخه بالإضافة إلى مدة محكوميته التي تطالب بها المحكمة وأوراق الاستئناف والالتماسات وأمور أخرى..
لم أكن بحاجة لأن أسألها عن حجم الملفات فمعلوماتي عن حجم وعدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني كانت كفيلة بأن تفسر لي ذلك، بالإضافة إلى أن معلوماتي البسيطة عن حنان ذاتها التي تؤكد أنها أحد أهم المحامين المهتمين بقضية الأسرى الفلسطينيين، استأذنتها مباشرة أن تتحدث عن معاناة الأسرى داخل السجون بحكم أنها أقرب الناس إليهم ففي كثير من الأحيان يكون لها فقط حق زيارة الأسرى ومحادثتهم في حين يمنع ذويهم من لحظة التقاء واحدة مع أبنائهم حتى من وراء شبك الزنازين الشائك، فقالت: "على الرغم من أن المعاناة باتت معروفة لدى الجميع إلا أن سلطات الاحتلال الصهيوني في كل يوم تبتدع أساليب جديدة في التنكيل بالأسرى الفلسطينيين الذي فدوا الوطن بحريتهم، من أجل نصرته ودحر الاحتلال من ثرى أرضه الطاهرة"، وتضيف: "تعجز الكلمات عن وصف المعاناة والآلام والعذابات التي يلاقيها الأسرى داخل السجون الصهيونية"، تصمت وتعتلي صوتها نبرة حزن تخبر بمدى الكارثة الإنسانية الحاصلة والمستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين البواسل، ما أراه وألمسه من خلال زيارتي للأسرى هي أن الانتهاكات بحقهم تكاد تفوق تلك الانتهاكات التي يلاقيها أسرى الحرب في سجون جوانتانامو الأمريكية، وتتابع سردها للانتهاكات الصهيونية قائلة: "أقل تلك الانتهاكات هي السب والقذف بألفاظ نابية أما أكثرها ألماً هي التفتيش العاري المذل سواء للأسرى أو الأسيرات، والمكوث لساعات طويلة - قد تتعدى ذلك لتصبح أياماً- على كرسي الاعتراف مكبلي اليدين والأرجل معصوبي العينين أثناء فترة التحقيق"، أستوقفها قليلاً لتتحدث عن تفاصيل المعاناة خلال التحقيق، فتجيب وقد رق قلبها دامعاً قبل أن تخرج كلماتها حزينة فترة التحقيق هي أحلك اللحظات وأقساها بل وأبشعها التي يحياها الأسير الفلسطيني، فخلالها تستباح كل الممارسات الآدمية وتلك التي لا تمت للإنسانية بأدنى صلة من أجل الاعتراف"، تصمت: "إلا أن إرادة الأسير الفلسطيني تنتصر على جلاديه، فلا يظفرون منه بكلمة يمكن أن تعتبر دليل إدانة ضده الأمر الذي يشعل الفتيل في قلوبهم ويذهب عقولهم فيزيدوا من ممارساتهم دون جدوى، مما يدفعهم إلى معاقبته بالأحكام العالية وأحياناً بالسجن مدى الحياة  متذرعين باتهامات وافتراءات ضعيفة".
وللأشبال نصيبٌ أيضاً
المعاناة واحدة، تماماً كما الأساليب في بشاعتها وعدم إنسانيتها لا تفرق بين شبل أو زهرة.. بين أسير تقدم به العمر وآخر ما زال يافعاً يملك من قوة الجسد القليل بفعل أساليب التعذيب المختلفة.. كما لا يفرق الجنود الصهاينة في أساليب التعذيب بين الأسيرة الزهرة وتلك التي فوجئت أثناء أسرها بطفل يتحرك في أحشائها...
توضح الخطيب التي حملت قضية الأسرى على عاتقها وأولتها اهتمامها وكل جهدها ووقتها أن أساليب التعذيب التي تنتهجها القوات الصهيونية بحق الأسرى واحدة، نابعة من كونهم "أي الأسرى" أعداء لوجودها معاديين لحقوقها المزعومة، وتشير الخطيب إلى طبيعة الأساليب التي تستخدمها القوات الصهيونية قائلة إنها لا تتلاءم مع طبيعة أجساد الأشبال والزهرات التي في الغالب تكون ضعيفة، ناهيك عن الآلام النفسية التي يتجرعونها خلال الزيارة التي تكون من خلف الزجاج العازل الذي يحول دون سماع الكلام فقط يعمل كل تركيزه على حركة الشفاه ليترجمها إلى كلام يقع على نفسه بكثير من الألم والحزن"، وتضيف الخطيب: "أن القوات الاحتلالية من ضمن أساليبها أنها تعمد إلى حرمان الأشبال من التمتع بالحركة والنشاط داخل الأسر من خلال منعها دخول أياً من الأدوات الرياضية التي يجلبها لهم الأهالي للترفيه عن أنفسهم فيشعرون أنهم في عزلة عن العالم الخارجي، وتتابع: تجد الشبل في الأسر شيخاً كبيراً قد اشتعل رأسه شيباً رغم أنه لم يتجاوز من العمر العشرين عاماً نتيجة عدم ممارستهم لأبسط حقوقهم الإنسانية التي كفلتها لهم المواثيق والاتفاقيات الدولية...
حلقة الوصل
كونها الوحيدة التي تملك الحق في زيارة الأسرى الذين منع أهلهم وذووهم من زيارتهم منذ أن زجوا خلف القضبان، فكان لا بد لنا من سؤالها عن طبيعة علاقتها بأولئك الأسرى، لم تتردد كثيراً في الإجابة، فقد أكدت أنها بمثابة حلقة الوصل الوحيدة بين الأسرى وذويهم، من خلالها تنقل الأمهات عبراتهن ودعواتهن لفلذات أكبادهن بأن يكسر القيد ويحرر الجسد تماماً كما الروح التي لا تكاد تنفك عن مداعبة أخيلتهن ليل نهار، ومن خلالها أيضاً تأتي أيضاً رسائل الشوق والحنين التي سطرت بكلمات الصبر لتعين ذويهم على تحمل الآلام ليس من أجل أحد غيرهم ونصرة الوطن، وتؤكد هنا المحامية حنان أن أول ما يسأل عنه الأسرى هو حال أمهاتهم بعد الفراق الطويل، يوصوني على الرغم من آلامهم وقوة معاناتهم التي كادت أن تقتل الحياة في أجسادهم النحيلة أن أبث الصبر والقوة في نفوس أمهاتهم، وتتابع الخطيب: منهم تعلمت قوة الإرادة والتحدي ومن أجلهم سأمضي مدافعة عن حقوقهم المسلوبة حتى خلف الجدران والشبك...
إهمال صحي وموت يغتال الأسرى
محاور الحديث كانت كثيرة إلا أن جميعها يصب في بوتقةٍ واحدة هي المعاناة على اختلاف أشكالها فمن المعاناة داخل غرفة التحقيق، والأساليب البشعة في حرمان الأشبال مما أتي لهم به ذووهم من أدوات رياضية للتسلية والترفيه، والنأي بإحساسهم داخل الزنازين عن آلام الفقد والاعتزال، نصل بحديثنا إلى المعاناة الطبية والإهمال الصحي الذي بات يهدد باغتيال منظم للأسرى داخل زنازين اعتقالهم..
تؤكد الخطيب أن المعاناة الصحية للأسرى تكمن في عدم توفير العقاقير والعلاجات اللازمة للمرضى، ناهيك عن المماطلة في تقديمه لهم إن وجد الأمر الذي ينعكس سلباً على أحوالهم الصحية فبدلاً من أن تتحسن تسوء يوماً بعد يوم لحد يهدد حياة الأسير، تصمت قليلاً ثم تتابع الحديث عن إحدى حالات الأسرى التي كاد الموت أن يغتاله قبل الالتقاء بأمه أخيراً، أستأذنتها أن تروي لنا قصة موكلها فقالت بكثير من التأثر: "هو شاب في السابعة والعشرين من عمره يدعى مراد أبو ساكوت اعتقلته قوات الاحتلال قبل نحو ثلاثة أعوام، على الرغم من الالتماسات التي قدمتها عائلة الأسير لمحكمة بأنه يعاني من مرض سرطان الدم وأنه خضع قبل عملية الاعتقال في التاسع من ديسمبر 2003 لعملية زرع نخاع شوكي بالأردن ويحتاج إلى رعاية صحية فائقة، إلا أن قوات الاحتلال الصهيوني ضربت بتلك الالتماسات عرض الحائط ولم تبالِ بحالة الأسير التي بدأت تسوء يوماً بعد يوم"، وتشير الخطيب هنا إلى أن قوات الاحتلال أذاقوا الأسير ألواناً شتى من العذاب خلال فترة التحقيق معه، الأمر الذي أثر سلباً على حالته الصحية فانتشر المرض في أجزاء مختلفة من جسده وتمكن من إفشال جهازه التنفسي، حيث تم استئصال الرئة اليسرى بعد محاولات والتماسات طال أمدها فيما مازالت رئته اليمنى تعمل بشكل نسبي لا يتجاوز الـ25%، وتتابع الخطيب لقد مثل لي أبو ساكوت حالة إنسانية خاصة تعاطفت معها لأبعد الحدود إلى أن ظفرت بموافقة المحكمة في البداية لنقله للخارج للعلاج ومن ثم عملت جاهدة من أجل أن يقضي أيامه الأخيرة في أحضان أمه وأهله الذين طال انتظارهم له، تنفرج أسارير قلبها ويعلو صوتها فخراً حين صدر قرار المحكمة بالإفراج عن موكلي أبو ساكوت كانت تلك أبهى لحظات النصر والفرح التي مررت بها خلال حياتي، كم جميلاً أن تحقق أمنية لشهيد مع وقف التنفيذ على حد تعبيرها..
مواقف مؤثرة
لم تكن توسلات الرجاء من الأسير أبو ساكوت الذي كاد الموت أن يغتاله قبل أن ينعم بدفء حضن أمه من جديد، الوحيدة التي أثرت في نفس الخطيب فأدمعته قلبها قبل أن تأذن لعينها بذرف دموع الحزن على حاله، وهنا تلفت الخطيب إلى أن المواقف المؤثرة والصعبة كثيرة قد لا تستطيع ذاكرتها إجمالها في كلمة فهي تحتاج إلى مجلدات، إلا أن أكثر المواقف صعوبةً لديها كانت، بكاء الشوق والحنين الذي تذرفه عين الأسير الممنوع من زيارة ذويه منذ اعتقاله، وتتابع حينها لا أحتمل الصمود أمام دمع عينيه الذي يفيض شوقاً لمن حملته في رحمها وهناً على وهن ولأشقائه الذين شاركوه اللهو أيام الطفولة والحلم أيام الصبا والرسالة أيام الشباب، عندما أسمع كلماتهم أشعر بانفطار قلبي، إلا أني ما ألبث أن أبث فيهم الصبر والتحمل أشد على أيديهم وأبشرهم متفائلة بأنه لا بد من يوم ينكسر فيه القيد ويعانقون أمهاتهم وذويهم الذين ذاب قلبهم أيضاً شوقاً إليهم...
موقف آخر من أصعب المواقف التي تمر بالخطيب  خلال زيارتها للأسرى، خاصة بعد فترة التحقيق وما يتخللها من عمليات شبح وضرب وإذلال للأسير، وتلفت أن ما يزيد كربها من هذه الزيارة أنها تجد الأسرى لا يستطيعون فتح أعينهم أمام ضوء الشمس الذي غاب عنهم طوال فترة التحقيق، التي أحياناً تمتد لأسابيع بل وشهوراً...

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *: لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...