مفاتيح الفشل لها أون لاين - موقع المرأة العربية

مفاتيح الفشل

كتاب لها
13 - ربيع الآخر - 1438 هـ| 12 - يناير - 2017


1

لقد كان من منهج الصحابي الجليل حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم خلافاً لما اعتاد عليه الصحابة من السؤال، فقال: "كان الناسُ يَسأَلونَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الخيرِ، وكنتُ أسأَلُه عنِ الشرِّ، مَخافَةَ أن يُدرِكَني"(متفق عليه).

والحقيقة أنه لا خلاف بين المنهجين، فتعلمنا للخير والشر منهجان يسيران في طريقين متوازيين؛ فالأولى تمكن الخير في نفوسنا، والأخرى تجعلنا أفهم لسُبل الشر لنتجنبه.  

وكذلك الحال في تتبع مفاتيح الفشل، فهو منهج نتتبعه لاجتنابه وذلك سبيل الناجحين. إذ إننا كثيراً ما نستخدم هذه المفاتيح المُفضية للفشل دون وعي منا؛ فنجد أنفسنا قد جاوزنا نجاحاتنا وطموحاتنا دون إدراك أسباب ذلك. لذلك كان تعلمنا إياها أولى من تعلم مفاتيح النجاح ذاتها. بل إنه من أهم سبل النجاح اجتناب مفاتيح الفشل.

كما أنه من المهم أن ندرك معنى الفشل الحقيقي على أنه تجربة حياتية تمنحنا خبرة تعليمية، لا تقل أهمية من تعلم سبل النجاح ذاته. وذلك إن سمحنا لأنفسنا بإعادة تدوير هذه التجربة بطريقة مدروسة وواعية، متجنبين إخفاقات الماضي، مع الزامنا لليأس، بأن يتنحى بعيداً لتُبصر التجربة الجديدة النور بعد ذلك. فهي مدرسة تُعلمنا كيف نتعلم؛ فنتجنب أخطاءنا، ونعدل من أسلوبنا لنصنع نجاحاً محققاً بإذن الله.

ومع أن مفاتيح الفشل متنوعة. لكنها متميزة في الوقت نفسه؛ لكونها قابلة للتحول إلى مفاتيح للنجاح بعد صقلها وتعديل بعض ما انحرف منها. ويمكن جمع بعضها تحت ما يسمى بحيل الدفاع النفسية. ونذكر ثلاثةً من أهمها وأكثرها استخداماً وشيوعاً:

  • الإسقاط: وهو أن يُبعد الفرد أي اخفاق مر به عن نفسه؛ حتى لا يعتبر نفسه مسؤولاً عنه. فدائمًا المشكلة ليست منه، بل هي من طرف خارجي أو ظروف قاهرة وحظ سيء. فيلصق الأسباب بهم لحماية ذاته، وإبقائها في أمان من تحمل مشاعر الإخفاق السلبية. لكنه في الواقع هو حيدها عن تفهم أسباب الإخفاق التي اتبعها، فحرم نفسه السمو في سماء الناجحين.
  • التبرير: هو تفسير أسباب الإخفاق والخطأ بأسباب مقبولة اجتماعياً، لكنها غير حقيقية. فهي بمثابة غلاف للحقيقة لإظهارها بشكل أكثر قبولاً للنفس في المقام الأول، ومن ثم الآخرين؛ لدفع ألم المشاعر السلبية عن النفس، وملامة من الآخرين تجاه الإخفاق. وذلك يحرم صاحبه من التبصر بالأسباب الحقيقية للإخفاق لتعديلها. فيبقى التبرير للذات سدا معيقاً للنجاح؛ لأنها إعلان مبطن عن كون الشخص لم يخطئ، وربما لن يخطئ بناءً على تبريراته وأعذاره التي توحي بذلك. غير أن الواقع لا يظهر براءته من الخطأ، بل يعني أنه ليس جديراً بتحمل المسؤولية. ويبرز رغبته في الاستمرار في الخطأ نفسه. ويكفي من التبرير أنه مواربة الحقيقة عن النفس قبل الآخرين.
  • التعميم: مشكلة فكرية، واتجاه فكري يتمسك به من تنقصه الخبرة والحكمة ليجعل من تجربة عابرة موقفاً عاماً دون أي دليل؛ إنما لتخفيف ما يجده في نفسه من ألم، فيصبغ كل ما شابه تجربته بالإخفاق، فكأنه ينطق بلغة التعميم ليقول ما حدث هو شيء عام لا علاقة له بتقصير أو خطأ من جانبي. ومشكلة التعميم الرئيسة أن التعميم يعمل على تغيير كل المسار لا تعديله، فيغرس في نفسه اعتقاداً بأن السوء يحاصره لذا عليه تجنب ما أخفق فيه بالكلية.
  •  

    فكل الوسائل السابقة حيل نفسية تهدف خفض التوتر، و إعادة التوازن النفسي .غير أن الإغراق في استخدامها اتجاه غير صحي، و لا يعطي مفاتيح للفشل فقط، إنما يفتح أبواب السقوط في الأمراض النفسية؛ لكونها تسعى للتكيف الذاتي بتشويه الحقائق، وإخفاء الواقع والهروب من المسؤولية. غير أننا يمكن أن نعيد صياغة هذه المفاتيح بقالب النجاح، وذلك بتوسيع دائرة إدراكنا لهذه الحيل الدفاعية، لنزيد من بصيرتنا في تفهم أسباب الفشل، وبذلك نحولها من وسائل لا شعورية إلى حيز شعورنا وإدراكنا؛ لإبطال ما تحدثه من عتمة نفسية عن الحقيقة لنلبس ثوب الحكمة والمسؤولية؛ لتكون دافعاً لمحاولة جادة من جديد في طريق النجاح.

    كما أن توظيفنا للموقف الإيجابي في حياتنا كلها يحيل الإخفاق لأسباب نتجنبها وفرص نقتنصها. مع مصارحة النفس بصدق، والوقوف على مسببات الإخفاق في التجارب السابقة؛ لنتجنب تراكم الأخطاء والذي هو وقود الإخفاق.

    كما أن تحويل التبرير من التبرير الشخصي المتمركز حول الذات إلى التبرير الاجتماعي  بتبرير سلوكيات الآخرين. بمعنى أن لا أبرر للإخفاقات الذاتية في التجارب الحياتية. بل أبرر لسلوكيات الآخرين، فأتبنى لهم الأعذار لتقبل سلوكياتهم وإراحة النفس من ثقل غل يتمكن منها على الآخرين، وهذا سبيل الحياة الاجتماعية الناجحة والسلام الداخلي.

    فليست المشكلة أن يفشل الشخص، ولكن المشكلة أن يستسلم للفشل بتغليفه بأشكال مختلفة ؛ ليحمي نفسه من ألم الفشل. وينسى أن هذا الألم هو مصدر التعلم والنجاح لمن يستعين بالله، ثم بالعزيمة والإصرار. فالفشل أول الطرائق الصحيحة للنجاح. غير أن تنقية الأحداث والأفكار بفلاتر شخصية، هي من تتسبب في كل من المفاتيح السابقة؛ التي تحاول جاهدة دفع الفشل عن الذات. والحقيقة أن وراء كل إخفاق نجاح. وفي كل إخفاق فرصة سانحة في انتظار من ينتهزها.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...