مقومات بناء دولة للمسلمين في المدينة 3 لها أون لاين - موقع المرأة العربية

مقومات بناء دولة للمسلمين في المدينة 3

دعوة وتربية » نوافذ
28 - رجب - 1434 هـ| 07 - يونيو - 2013


1

تحدثنا في الحلقة الأولى مقومات بناء دولة للمسلمين في المدينة(1) عن أركان قيام دولة جديدة فهي تقوم على أركان ثابتة، ومقومات قوية، ومن أهمها العنصر البشري الذي سيقوم بإخلاص وصبر، بمهام بناء الدولة، بل والحفاظ على كيانها، وحمايتها من الأعداء.

 وأهل المدينة (الأنصار) هم من قام بهذه المهمة خير قيام، ولذلك كانت المدينة تستحق هذا الشرف الكبير لتكون هي الدولة الإسلامية التي تأسست فيها دولة فتية، وتكونت فيها عاصمة المسلمين. ومن خلال دراسة السيرة سنتعرف على مقومات بناء الدولة، التي تحتاج لمؤيدين ومناصرين عندهم الاستعداد للجهاد والتضحية.

 و تقوم أركان الدولة على أسس متينة، ومن أولها إيجاد أرض مهيئة لبناء مؤسسات الدولة، وإيجاد الكيان المستقل لها، إضافة إلى اقتصاد قوي مستقل، و إلى المال للإنفاق على أركان الدولة، ولكي يتوفر لها الحماية لابد من إعداد القوة، ومنها تعلم صناعة السلاح استعدادا للجهاد.

وقد نقلنا هذا الموضوع من كتاب الرحيق المختوم للشيخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى.

وتم الحديث عن كيفية بناء مجتمع جديد، وقد اهتم الرسول e ببناء المسجد الذي لم يهتم فيه بقوة البناء، أو زخرفة المكان، بل كان الاهتمام يتركز على إيجاد مكان مناسب دون الاهتمام بمظهره، بل الاهتمام بتأسيسه على التقوى؛ حتى يتربى فيه المسلمون على الاستقامة والتقوى، وكان الأساس الثاني الذي قامت عليه أركان الدولة هو: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، (راجع  مقومات بناء دولة للمسلمين في المدينة(2) ، واليوم يتحدث المؤلف عن أثر المعنويات في المجتمع.

أثر المعنويات في المجتمع

بهذه الحكمة وبهذه الحذاقة (التدبير) أرسى رسول الله e قواعد مجتمع جديد، كانت صورته الظاهرة بيانا وآثارًا للمعاني التي كان يتمتع بها أولئك الأمجاد بفضل صحبة النبي e ، وكان النبي e يتعهدهم بالتعليم والتربية، وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة‏.‏

سأله رجل‏:‏ أي الإسلام خير‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف‏]‏‏رواه البخاري.‏

قال عبد الله بن سلام‏:‏ لما قدم النبي e المدينة جئت، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال‏:‏ ‏[‏يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام‏]‏رواه الترمذي وصححه،  ورواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

وكان يقول‏:‏ ‏[‏لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه‏] رواه  مسلم.

ويقول‏:‏ ‏[‏المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده‏] رواه البخاري.‏

ويقول‏:‏ ‏[‏لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه‏]‏ رواه البخاري.‏

ويقول‏:‏ ‏[‏المؤمنون كرجل واحد، إن اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله‏]‏‏ رواه  مسلم.

ويقول: [المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً]متفق عليه.

 ويقول: [لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام] رواه البخاري.‏

 ويقول: [المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة] متفق عليه.

 ويقول: [ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء] رواه أبو داود والترمذي وصححه، وكذلك الألباني.

 ويقول: [ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جانبه] رواه البخاري في الأدب المفرد، و رواه البيهقي في الشعب، وصححه الألباني.

 ويقول: [سِباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر] رواه البخاري. وكان يجعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويعدها شعبة من شعب الإيمان، كما ورد الحديث في الصحيحين.

وكان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما تتقاذف إليه القلوب، فكان يقول: [الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار]رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني.

ويقول: [أيما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُرى كساه الله من خُضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم]رواه أبو داود، وضعفه الألباني.

ويقول: [اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة] رواه البخاري.

وبجانب هذا كان يحث حثاً شديداً على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر فضائل الصبر والقناعة، فكان يعد المسألة كدوحاً أو خدوشاً أو خموشاً (جروحا) في وجه السائل اللهم إلا إذا كان مضطراً(1).

كما كان يبين لهم ما في العبادات من الفضائل والأجر والثواب عند الله، وكان يربطهم بالوحي النازل عليه من السماء ربطاً مؤثقاً، فكان يقرؤه عليهم ويقرؤونه: لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة وتبعات الرسالة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر.

وهكذا هذب تفكيرهم، ورفع معنوياتهم، وأيقظ مواهبهم، وزودهم بأعلى القيم والأقدار والمثل، حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال عرفت في تاريخ البشر بعد الأنبياء.

 يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من كان مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد e، كانوا أفضل هذه الأمة؛ وأبرها قلوباً، وأعمقها علما، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

ثم إن هذا الرسول القائد الأعظم e كان يتمتع من الصفات المعنوية والظاهرة، ومن الكمالات والمواهب، والأمجاد والفضائل، ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال بما جعلته تهوى إليه الأفئدة، وتتفانى عليه النفوس، فما يتكلم بكلمة إلا ويبادر صحابته رضي الله عنهم إلى امتثالها، وما يصدر من إرشاد أو توجيه إلا ويتسابقون إلى العمل به.

بمثل هذا استطاع النبي  e أن يبني في المدينة مجتمعاً جديداً أروع وأشرف مجتمع عرفة التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً تنفست له الإنسانية الصعداء، بعد أن كانت قد تعبت في غياهب الزمان ودياجير الظلمات.

وبمثل هذه المعنويات الشامخة تكاملت عناصر المجتمع الجديد الذي واجه كل تيارات الزمان حتى صرف وجهتها، وحول مجرى التاريخ والأيام.

وبإذن الله في الحلقة القادمة يتحدث المؤلف عن العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم من أهل الكتاب وهم اليهود، وكيف أبرم معهم معاهدة، وكيف تعامل معهم، وما هي بنود المعاهدة مع اليهود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحديث في صحيح البخاري :"ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم" وفي سنن أبي داود وغيره وصححه الألباني.: "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بها الرجلُ وجهَه فمن شاء أَبْقَى على وجهِه ومن شاء ترك إلا أن يسألَ الرجلُ ذا سلطانٍ أو في أمرٍ لا يَجِدُ منه بُدًّا".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...