ملح الحياة الزوجية لها أون لاين - موقع المرأة العربية

ملح الحياة الزوجية

عالم الأسرة » هي وهو
30 - محرم - 1439 هـ| 21 - اكتوبر - 2017


1

رانية طه الودية

قيل قديماً إن الخلافات هي ملح الحياة.. والحقيقة أنه لا يخلو بيت من بيوتنا الزوجية الطبيعية من الملح الزوجي ؛ فهو نتيجة طبيعية للتواصل والاتصال الجيد بين الزوجين .

فالبيت الذي يخلو منه يُمكن أن نحكم عليه ببساطة بالموت العاطفي؛ لسكون التواصل بين الزوجين وكأنهما يعيشان بانفصال لكن تحت سقف واحد دون أدنى تواصل .

والعلاقة هنا منتهية أو على وشك الانتهاء . فهما بحاجة لإذابة ما تحجر من أملاح متراكمة عبر السنوات والتي أفقدت حياتهما سيرها بشكل طبيعي . ولعل استخدام تعبير الملح الزوجي أسلوب رمزي يجعل من الخلافات الزوجية ضرورة لكن بحدود. كما هو الملح لطعامنا لا يمكننا الاستغناء عنه رغم مضرته البالغة على صحتنا وحياتنا إن زاد أو تراكم . كما أنها تُشير إلى أنه قابل للتحكم فيه حتى لا يزيد ويُفسد .

ويُصبح هذا الملح مضراً ويُشكل خطراً على الحياة الزوجية وذلك عندما لا يعترف أحد الزوجين بوجود مشكلة من طرفه ،فيعمد إلى اسقاطها على الزوج الآخر .والحقيقة أن المشكلات الزوجية  مهما بلغت من العمق فليس من العقلانية اعتبارها من طرف واحد ؛ إذ أن الزوجين اشتركا بمقدار متفاوت فيها فمثلا :في المشكلات الكبيرة كالخيانة الزوجية غالباً ما يتم تحميل الزوج الخائن كل المسؤولية عن المشكلة ابتداءً بالمسببات وانتهاءً بالنتائج ..غير أن النظرة العقلانية للمشكلة تجعل من الزوج الخائن يتحمل القدر الأكبر من المسؤولية عن المشكلة وحدوثها بالتأكيد .لكن للزوج الآخر بعض الأخطاء والتي تتعلق سواء بأسباب حدوثها أو بالنتائج الحالية والتي تنم عن الاخفاق في إدارة المشكلة بعد حدوثها .والتي غالباً ما تكون انفعالات تُثير سلوكيات ليس من شأنها حل المشكلة بقدر الهروب منها ومحاولة تحميل الطرف الآخر المسؤولية كاملة دون حساب لما قد يحدث للأسرة أو الأولاد من أثر هذه السلوكيات والتي قد توازي حجم المشكلة ذاتها .

ومن أهم أسباب تراكم المشكلات الزوجية وتهديدها لحسن العشرة والطمأنينة بين الزوجين سوء ادارتها ،أو ادارتها بشكل انفعالي يفتقر العقلانية وتوظيف المودة والرحمة .فالمشكلات لابد أن تتواجد بشكل طبيعي ،لكن من المهم حسن ادارتها لتنتهي ولنحد من أثرها على الزوجين والأسرة بشكل عام .وتُشكل  الأساليب التالية الأكثر سلبيةً وشيوعاً في إدارة المشكلات الزوجية :

  • تقليب الماضي في كل حين : مما يجعل المشكلات حاضرة في نفوس الزوجين حتى عند غيابها فترة من الزمن ،و يعكس ذلك صداه على حياتهما من خلال إثارة مشكلات وأحداث الماضي السلبية بشكل متكرر. فبالرغم من طول المدة الزمنية التي حدثت فيها المشكلة السابقة لكنها تبقى مثاراً للنقاش والجدل لتفتح جروح وسلبيات الماضي دون أدنى فائدة من ذلك مما يُعكر صفو الحياة بينهما. ومع كل هفوة أو مشكلة جديدة يتم استرجاع تاريخ المشكلات مما يجعل أي هفوة صغيرة عابرة في حياتهما تبدو ككرة الثلج المتدحرجة التي تبدأ بكرة ثلجية صغيرة لكن مع تدحرجها تجمع في ثناياها كل ما تواجهه حتى تصطدم وتُحطم كل ما تواجهه . لذا من الأجدر فتح حوار زوجي لكل مشكلة في وقتها وانهائها واستبعادها من حيز الخبرة الزوجية .فهي مجرد تجربة مضت يتعلم منها الزوجين ليستفيدا سبلاً في حل مثيلاتها، بل ولتفادي الكثير من المشكلات التي قد تحدث على شاكلتها.
  • عدم تنازل أحدهما للمبادرة بالصلح وتقديم الاعتذار : كثيراً ما تبدو كلمات الاعتذار ثقيلة على اللسان لما تُثيره من مشاعر التسبب في المشكلة .وأن المُبادر بالاعتذار هو المخطئ .وكذلك لشعوره بأنه صاحب الحق فلم يُبادر هو ؟ فضلاً عن الحفاظ على كرامته كما يردد بعض الأزواج .وما أدركا كلا الزوجين أن الكرامة تُصان خير صيانة في بيتهما إن توفرت المودة والرحمة بينهما والعيش خارج نطاقه هو أكبر تهديد لكرامة الأبناء والزوجين معاً. كما أن في تقديم الاعتذار دليل على الحفاظ على عش الزوجية أكثر من كونها دليل على أن المُعتذر هو المخطئ .بل و تدل على عقلانيته وحرصه على حياتهما . فالزوجين في مركب واحد هدفهما السير بحياتهما لبر الأمان لا إلى ساحة معركة ينتصر فيها أحدهما على الآخر بإجباره على الاعتذار له بعد فترة من الصد والمجانبة. ومن المهم أن يتم الحوار بعد الاعتذار لتوضيح أهمية المسارعة في الاعتذار وهدف من قدم الاعتذار. و ليكون قدوةً لشريكه في المرات القادمة . والاعتذار لا يقف عند حدود كلمة الاعتذار انما يمتد لتعديل السلوكيات التي كانت سببتا في المشكلة .وقد يكون بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر يظهر فيه الرجوع عن الخطأ وتقبل الطرف الآخر وترك مساحة له للتعبير. ولا تقف المبادرة بالصلح عند الاعتذار فقط بل قد تكون بمجرد كسر حاجز الصمت وردم الفجوة التي حصلت بعد الخلاف لتعود الحياة بشكل طبيعي ومن ثم يعقبها مشاركة منهما في مواجهة المشكلة لتأطيرها والاستفادة من نقاط الخلاف فيها لتكون نقاط قوة وتحصين ضد المشكلات المستقبلية المشابهة بحلول منطقية تُناسب كلا الزوجين.
  • الخصام الزوجي لفترات طويلة من الطبيعي أن تهز المشكلات العلاقة بين الزوجين في بداية اثارتها .غير أن المشكلة في نقلها من مشكلة عابرة إلى مشكلة طويلة الأمد وعميقة الأثر بإطالة مدة الخصام والتباعد بين الزوجين لتمتد إلى أيام و أسابيع إن لم يكن أكثر .دون أن يدرك الزوجين أنها قاتلة للمودة بينهما وتُربي كليهما على الاستغناء عن الآخر وتعاظم المشكلة في نفسه دون أن يكون لذلك إيجابيات تُذكر . لذلك من المهم حصر وقت التباعد والخصام في أقل وقت ممكن بحيث لا يبيتا ليلتهما قبل انهاء الخصام والحوار حول المشكلة التي تسببت به ؛ لأن في تأجيله تعميق للخلاف ،وإتاحة فرص من خارج البيت للتدخل وذلك يوسع المشكلة ،ويوغل الصدر ،ويزيد من الصد ،ويعود على الاستغناء عن الشريك ،والعناد وهي من أكبر عوامل هدم البيوت . كما أنه تعبير صامت عن اللامبالاة بما يحدث للحياة الزوجية أو رضا الزوج الآخر. فالخلافات الزوجية وجودها واقع يؤمن به الزوجين. لكن التشبث بموضوع الخلافات والمكابرة دون نقاشها والبحث بينهما عن حلول ؛إنما هو نذير بتراخي العلاقة بينهما ،والاستغناء التدريجي لكليهما ،وتفاقم المشكلات حتى الوصول للطلاق العاطفي .
  • انعدام الحوار أو التجريح في الحوار: لا شك أن الحوار هو همزة الوصل التي تصل الزوجين المختلفين بشكل طبيعي في بيئتهما، وأساليب حياتهما المختلفة ؛ليعبر كل منهما عن ما يزعجه وما يحبه ويصلا لمنهجية مشتركة ؛ولتجنب وحل المشكلات. وهو المفتاح السحري لحل المشكلات واحلال الطمأنينة .غير أن للحوار مُفسدات تتعدد أشكالها ويبقى التجريح أثناء الحوار بألفاظ وعبارات مؤذية بين الزوجين هو أكثرها ألماً وأثراً .لما فيه من انكار للإيجابيات ، واصطياد العثرات وتجميعها لتكون سلاحاً مزعجاً أثناء المشكلات وما بعدها. وتجعل من الحوار غلافاً يحوي داخله مناقشات حادة ،ورفع أصوات ،وتجريح في الكلمات ،واسقاط اتهامات ،وذلك لا يبني حلولاً ؛إنما يُراكم المشكلات ويُشعبها فبدلاً من التركيز على المشكلة وسبل حلها تتشعب لتصبح مشكلات متعددة تتضمن التجريح بالكلمات ،وتجنب الانصات ، وعدم تفهم وتقبل الطرف الآخر ،والتطاول عليه برفع الصوت. وكلها أساليب تقضي على التواصل بينهما وتجعل من الحوار أمراً بعيد المنال .
  •  فمن المهم ادراك الزوجين أن الحياة الزوجية حياة تكامل وتسامح ،لا حياة تنافس وتصارع بينهما . حتى لا تبدو الحياة بينهما صلبة متحجرة دون أدنى مشاعر . فمن الطبيعي أن تشوب العلاقة الزوجية بعض المنغصات لكن ذلك لا يعني انعدام الأجواء الجميلة بينهما . أو أن السلبية تكسو أحد الزوجين .لذا كان المبدأ القرآني في قوله تعالى :  )وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ( البقرة:237   فاذا كان  مبدأ التسامح والعفو وعدم نسيان ما كان بينهما من ومودة واحسان كما ذكرت الآية لمن تم طلاقهما وانفصالهما .فهو أجدر بالتطبيق لمن هما مازالا زوجين لكنهما متخاصمين .

     

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...