مناهجنا الدراسية وضرورة الربط بين العلوم الدنيوية والدينية

كتاب لها
14 - رجب - 1436 هـ| 03 - مايو - 2015


1

     أرسل الله الأنبياء – عليهم السلام – بهدف واحد هو عبادة الله - سبحانه وتعالى – وحده حيث يقول الله تعالى: "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ"[1]، ولكن اختلفت كل رسالة عن غيرها في الشرائع والأحكام، وأهم ما يميز الرسالة المحمدية ميزتان أساسيتان، أحدهما أنها خاتمة الرسالات حيث يقول الله تعالى: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"[2]، والثانية أنها رسالة للناس جميعا حيث يقول الله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"[3]، فهي ليست لجنس دون آخر، وليست لشعب دون آخر، وإنما للناس جميعا، وهاتان الميزتان جعلتا الرسالة المحمدية رسالة مختلفة عن كل دعوة أخرى، سواء سابقة أو لاحقة، وأي خلق للمقارنة أو المفاضلة بينها وبين الرسالات الأخرى هي مقارنة خاطئة وغير سليمة.

   ومن المفاهيم الخاصة فقط بهذه الرسالة - بسبب الميزتين السابقتين - هي أنها رسالة شاملة لكل جوانب الحياة، فهي ليست مقتصرة على الجانب الروحي فقط، أو الجانب التعبدي فقط، بل هي تهتم بكل جوانب حياة الإنسان الروحية منها والمادية، ومن ذلك قول الله تعالى: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ، وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"[4] وجاء السعي في الآية الكريمة إلى الرزق بصيغة الأمر، أي أن الصلاة والعمل كلاهما مطلوبان في الشريعة، وأتى النهي في تغليب السعي إلى الرزق على العبادة، وبالتالي يجب علينا أن نسأل أنفسنا في كل مسألة تعترضنا السؤال التالي: ما هو رأي الدين فيها؟ ولا ينبغي بأي حال من الأحوال أن نبعد الدين عن حياتنا، فديننا هو حياتنا، وحياتنا هي ديننا، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[5].      

        فإذا تحدث الناس عن علم الأحياء، قلنا لهم: هذا يدخل في قول الله تعالى: "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ "[6] فأي علم ينفع البشرية سواء في معاشها أو في جسدها، فهو من الدين، وإن كان مصدره لا يدين بالإسلام، بل حتى الجوانب المضرة بالبشرية أخبرنا عنها ديننا حيث يقول الله تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"[7]. فكل مجالات الحياة تصب في هذا الدين العظيم، فهو المعيار الحقيقي لها، فيخبرنا بصلاحها لنتمسك به أو فسادها لنتجنبه، وها هي العلوم تتقدم لتثبت صحة هذا الدين وصحة معتقداته، وانظر إلى الأخطار التي اكتشفها العلم الحديث لأكل لحم الخنزير الذي حرمه الإسلام قبل مئات السنين.

       وإن كان هناك ثمة توزيع لأبواب العلم، فمنها ما هو خاص بالعقيدة، ومنها ما هو خاص بالعبادات، ومنها ما هو خاص بالمعاملات... إلى آخر هذه الأبواب، فهذا التوزيع بسبب سعة العلم، وبسبب التفصيل أكثر في كل باب من أبوابه، ولكن في الحياة العامة فجميع هذه الأبواب تجتمع وتلتقي في وقت واحد، فالبائع في السوق لا يفصل نشاطه عن عقيدته، ولا يفصل سلوكه وتعامله مع الناس عن دينه، بل دينه هو الذي يطور عمله هذا بكل تفاصيله، وهذا الفهم ينطبق على كل صاحب عمل، فالدين هو السياج الحامي لكل عمل يبعد عنه ما يسيء إليه، ويحفز وبشجع كل ما يقويه ويحسنه وفي الحديث الشريف: "أنَّ رجُلًا جاء إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ وأيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "أحَبُّ النَّاسِ إلى اللهِ أنفَعُهم للنَّاسِ وأحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ سُرورٌ تُدخِلُه على مُسلِمٍ أو تكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضي عنه دَيْنًا أو تطرُدُ عنه جوعًا. ولَأَنْ أمشيَ مع أخٍ لي في حاجةٍ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أعتكِفَ في هذا المسجِدِ ـ يعني مسجِدَ المدينةِ شهرًا ـ ومَن كفَّ غضَبَه ستَر اللهُ عَوْرَتَه، ومَن كظَم غَيْظَه ولو شاء أنْ يُمضيَه أمضاه ملَأ اللهُ عزَّ وجلَّ قَلْبَه أَمْنًا يومَ القيامةِ، ومَن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتَّى أثبَتَها له، أثبَتَ اللهُ عزَّ وجلَّ قدَمَه على الصِّراطِ يومَ تزِلُّ فيه الأقدامُ"[8].

      وهذه الروح الواحدة لجميع تعاليم الإسلام لا بد من إفراد كتاب لها في مناهجنا الدراسية، تربط بين العلوم الدنيوية والدينية، وليكن اسم هذه المادة (العلم والإيمان) حتى تنشأ أجيالنا تنظر لهذا الدين نظرة عميقة، فهو ليس دين في المساجد فقط، وليس دين في المدارس فقط، بل هو دين حاضر في كل حياتنا بصورة أو بأخرى، فالإمام الذي يخطب في كل جمعة لا يحفظ النصوص الدينية فقط، بل ينبغي أن يدرك هموم وقضايا مجتمعه، مدرك للأهم منها والمهم، فالحياة كلها ينبغي أن تخدم ديننا، فإذا سرنا بهذا النهج، نجحنا في ديننا ودنيانا يقول الله تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا "[9] فصحبة الدين في جميع مجالات حياتنا يحتاج إلى منهج يتدرج بالنشء من المراحل الأولى الدراسية إلى مرحلة ما بعد الجامعة، يراعى في ذلك حالة كل مرحلة، وطبيعة من ينتمي إليها؛ لأن التطور المخيف والمذهل للتقنية ووسائل الاتصال تبعدنا أكثر وأكثر عن ديننا.

    أما إذا ما كرسنا كل ذلك لخدمة ديننا بصورة عملية ومعاشة وواقعية، فسوف يكون كل تقدم للعلم، تقدم لديننا ودعم له فالرسول- صلى الله عليه وسلم- أرسله الله للناس كافة، وهذه التقنية تجعل هذا الكون كالقرية الواحدة، فهذا تأكيد لطبيعة هذه الرسالة، فكأن هذا الكون قرية واحدة، أو ملة واحدة كالملل السابقة التي خصها الله برسالة واحدة. كما أن الخطيئة ما عادت تحتاج إلى سعي أو مجهود حتى يقوم بها شخص مجاهر أو جريء، بل صارت تأتي إلينا في أجهزتنا ودون سابق إنذار، وهذه الصورة الفاضحة للرذيلة التي أصبحت سهلة بصورة مخيفة، تعمق فينا مبدأ الإحسان الذي يعني أن نعبد الله كأننا نراه، فإن لم يكن نراه فإنه يرانا، أما الوسائل الأخرى التي ترتبط بالحياء من الناس، أو بأن هذه الوسائل المفسدة باهظة الثمن، أو أن تخفى من الناس وما شابه، لم يعد هذا مجديا، ولم يعد مؤثرا.

        وأن ينادي كل منا في مجاله، دون أن يكون هناك حضور لهذا الدين أو العكس، حيث ينادى لتعاليم الدين دون أن تكون هموم الناس وواقعهم حاضرة في هذا النداء، فسوف يكون تأثير هذا الدين ضعيفا، إن لم يكن معدوما. فديننا أهل لكل تحد يواجهنا، كما أن حلوله لهذا التحدي لا يعدلها حل آخر، وقد حسدنا أهل الكتاب عندما سمعوا الآية الكريمة: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا، فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ"[10]

       وهذا النهج الذي يعبر عنه كتاب (العلم والإيمان) سوف يساهم في إزالة الشرخ أو الفصل الذي يعترض ديننا ودنيانا، ويصبح التعبير عن الحياة هو نفسه تعبير عن الدين، أما أن نقول هذا سياسي، وهذا رجل دين، وهذا اقتصادي فلن ينصلح حالنا يوما، وديننا الإسلامي لا يعفي أحدا من المسؤولية، وقد تختلف المسؤولية من شخص لآخر، لكن الكل مسؤول، والكل محاسب يقول الله تعالى: "وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا "[11]، وتكمن خطورة هذا الفصل بين الدين والحياة العامة للناس أنه يدعم أعداء هذا الدين أولئك الذين ينادون بما يعرف "بالعلمانية "[12] سواء كان هذا الدعم مقصودا أو غير مقصود.

    أي أننا من كل حديثنا هذا نريد أن نقول:

وفي كل شيء له آية                            تدل على أنه الواحد

 

[1] سورة النحل آية36

[2] سورة الأحزاب آية رقم 40

[3] سورة سبأ آية رقم 28

[4] سورة الجمعة الآية رقم 10

[5] سور الانعام آية رقم 162

[6] سورة الذاريات آية رقم 21

[7] سورة الروم آية رقم 41

[8] رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني

[9] سورة نوح الآيات رقم 10 – 11 - 12

[10] سورة المائدة آية رقم 3

[11] سورة مريم آية رقم 95

[12] العلمانية هي فصل الدين عن الدولة والحكم، وتعني اصطلاحاً فصل المؤسسات الدينية عن السلطة السياسية.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...