من أسباب تأخرنا

كتاب لها
01 - جمادى الآخرة - 1436 هـ| 22 - مارس - 2015


1

كثيرا ما تنشأ المقارنة عند بعض الناس بين ما ينتجه البشر وبين قدرة الله تعالى، ومن ذلك – مثلا – أن الإنسان اخترع الرجل الآلي، ولكنه لا يستطيع أن يبث فيه الروح، وأن الإنسان اخترع الوسائل المنقذة للإنسان في السيارة كالبالون الواقي، ولكنه لا يستطيع أن ينقذه من الموت، وما أكثر المقارنات في هذا الأمر! 

ويأتي الخلل هنا من جانبين أحدهما: أن فيه مساواة بين فعل الله -  سبحانه وتعالى - وبين فعل البشر، وهذا لا يقبله عقل ولا دين. والجانب الآخر أن فيه تخدير للمشاعر، وإبعاد الأمة عن الجد والعمل، وإعفائها عن مسؤوليتها تجاه حياتها وتجاه دينها الذي يأمرها بالعمل والجد؛ لأن التفكير السابق يجعل المقارنة بين العقل البشري المفكر والمخترع، وبين قدرة الله عز وجل، ولا يوجه أي قصور أو نقص لذلك العقل الخامل الكسول الذي صار مستهلكا فقط. وبالتالي صرنا نردد هذا النوع من الخطاب الذي يقارن بين قدرة الله عز وجل، وقدرة العقل البشري المنتج والمبدع، دون أن يصيبنا أي نوع من اللوم أو الدعوة إلى إعادة وسائل تفكيرنا، أو طرائق استقبالنا للمعلومة.

    فإن الله سبحانه وتعالى أظهر لنا نوعين من خلقه، أحدهما خاص به يتعلق بخلق الكون، وبظهور المعجزات الربانية، وقد أوضح الله ذلك في كتابه العزيز ومنه قول الله تعالى: ((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))[1] فهذا أمر خارق لسنن الكون، ولا يستطيع الإنسان بأي حال من الأحوال أن يرصده ويراقبه.      أما النوع الآخر من خلق الله سبحانه وتعالى، فهو يتعلق بأمر الطبيعة إذ جعلها الله سبحانه وتعالى تسير على قوانين ثابتة منذ أن خلقها، وكلا الخلقين لله سبحانه، فكلما أظهرناهما كلما زاد إيماننا بالله عز وجل.

     وليس صحيحا أن نعول على جانب دون آخر، أو نقول إن الجانب الخارق للطبيعة هو الذي يدلل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، بل إن قانون الطبيعة دليل كبير على وحدانية الله، ولا ينبغي أن يترك هذا القانون لغيرنا من الملل، بل نقلل من اكتشافاتهم، وذلك بربطها بقدرة الله عز وجل كما تقدم في بداية حديثنا، والأولى أن ننافسهم في هذا المجال، ونثبت من خلالها قدرة الله سبحانه وتعالى، ولا نناقض أنفسنا إذ إننا في حياتنا اليومية نبدي إعجابنا وتقييمنا لما ينتجون، وعندما نربط ذلك بديننا، نقول عنهم: إنهم عباد طبيعة، ويعتقدون بأن الكون هذا نتاج للطبيعة... وغيرها من الأفكار التي من خلالها تغلف فشلنا وكسلنا، إذ إن فعلهم في التأمل في الكون يحث عليه ديننا، ويدعو إليه، فهو فعل رباني، ولا ينبغي أن نربطه بعقيدتهم الفاسدة، كما أن فعلنا الذي يدل على الخمول والكسل، ينبغي أن نفصله عن ديننا، بل إن ديننا يذمه، وأن عقيدتنا بريئة منه، وهي تنادي بذلك الفعل الذي يفعله المختلفون عنا في المعتقد. فبدلا من ذم أولئك المخترعين في عقائدهم أو التقليل من شأنها بربطها بفعل الله عز وجل، ينبغي أن ندعو لها ونشير إلى التقصير الذي نعيش فيه.

   والطبيعة هي خلق من خلق الله تعالى، استخدمها  أبو الأنبياء للدفاع بها عن الدين، حيث يقول الله تعالى في كتاب العزيز:  ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))[2]

     هذا الامر لا ينبغي أن نعتبره خطابا عابرا، عبر به هذا أو ذاك؛ لأنه إذا تأملناه بعمق سوف نجد أنه من أسباب غفلتنا وتأخرنا، فهو ربط  فعلنا القبيح، وتخلفنا بديننا الحق، وربط فعل الآخرين الحسن وتقدمهم بدينهم الباطل، فظللنا نتخبط في حياتنا، لا نحسن حياتنا ولا نحسن  التعبير عن ديننا، فالله المستعان. 

 

[1]سورة البقرة آية 259.

[2]سورة البقرة آية 258

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...