من رثاء الزوجات: قراءة في ديوان (حصاد الدمع) لمحمد رجب البيومي لها أون لاين - موقع المرأة العربية

من رثاء الزوجات: قراءة في ديوان (حصاد الدمع) لمحمد رجب البيومي

أدب وفن » آراء وقراءات
10 - محرم - 1440 هـ| 21 - سبتمبر - 2018


1

في صيف ١٩٩٠- على مسؤولية الذاكرة - دعيت إلى مؤتمر أدبي بمدينة (المنصورة) في مصر، ممثلاً لمحافظتي المنيا شمال الصعيد. جلسنا عقب إحدى الندوات أنا وزميلان، فذكر أحدهما أنَّ هذه المدينة الجميلة (المنصورة)هي موطن الدكتور (محمد رجب البيومي) واقترح علينا أن نزوره في بيته، فهاتفناه واتفقنا معه على موعد، وذهبنا ثلاثتنا إلى حيث منزله، فاستقبلنا الرجل أحسن استقبال، وبعد الترحيب ولوازم الضيافة: أخذنا أطراف الحديث في الأدب والثقافة، وكان الرجل ينساب انسياباً عذباً فتنبع منه الذكريات حلوة مشوقة.

وقد تكرم علينا بعد أن طوَّفنا في مكتبته التي تشغل جلّ المنزل الواسع: أعطى كل واحد منا نسخة من أعماله الشعرية وكانت وقتها (حصاد الدمع)،(من نبع القرآن)،(حنين الليالي). وحين قدَّم لنا ديوان (حصاد الدمع) تطرق في الحديث إلى ذكرياته مع زوجته، وكيف عرفها وكيف اختارها من بين تلميذاته في الثانوية الأزهرية من أحد مراكز صعيد مصر، ثم ذكر رحلتها معه في الزواج، وبعض طبائعها وأخلاقها ثم دخل في سرد الذكريات المؤلمة، ورحلتها مع المرض في المملكة العربية السعودية، ثم كيف رجع بدونها.

يقولون (ماما) كلما عنّ مشكل

وأولى بهم أن يسكتوا لو تعقلوا

يقولون(ماما) مالذي أنا صانع؟

ومن دون (ماماهم) تراب وجندلُ

يصيحون هلا قد ذهبت تعيدها

كأني برد الراحلين موكــــــــــلُ

شديد على نفس الأب البر موقف

يهـيب بـه أطفـاله ثـم ينـكــــــــلُ

يعذبه إحساسهم برحيلـهــــــــــا

وإحساسه الدامى أشد و أهولُ

يقولون: (ماما) من يلوم مقالهـم

وقد غاب عنهم وجهها المتهللُ

تربو فراخاً فى العشاش تزقهم

حمامــــة أيك بالأهازيج تهدلُ

 

وكان الرجل يستشهد بالأبيات بطريقة مؤثرة، وإذ بالدموع تترقرق في عيني. ودعنا الرجل، رغم ما أكنه من حزن شفيف لذكرياته، إلا أنني اعتبرت أن ذلك أعظم ما في المؤتمر، وأثناء عودتنا إلى صعيد مصر: تصفحت الديوان فوقعت عيني على مقدمة بدأها الشاعر بقول قيس:

كأنَّ القلب ساعة قيل يغدى

بليلى العامرية أو يراحُ

قطاة عزها شرك فباتت

تنازعه وقد علق الجناحُ

 

وظللت أقرأ في المقدمة والدمع يطفر من عيني، ولا أشعر به حتى (بل دمعي محملي) على رأى امرئ القيس، وحين قرأت عناوين القصائد سريعاً: وجدتها تشي وتشير إلى مدى المأساة ولوعة الفراق، واختلاج الشوق في قلب الشاعر، عكفت على قراءة الديوان، أتملاه وأكرر أبياتاً كثيرة كانت تستوقفني فيه، وإليك بعضاً من هذه الأبيات المؤثرة الباعثة على الشجن من قصيدة (أكباد أطفالي).

 

أكباد أطفالي دهتك النارُ

أيعيش في لهب الجحيم صغارُ؟

أكباد أطفالي كففت مدامعي

ورأيتكن فهاجنى استعبارُ

لم يا حمام هصرت غصن شبابها

وله زهور غضه وثمارُ؟

أو صرت تهوى الحسن تلك قضية

نهض الدليل بها فلا إنكارُ

شاهدتها رفافة ببهائها

يزهى بها أهل وتشرق دارُ

زاد الجمال عفافها إشراقة

فهما لعيني معصم وسوارُ

 

وتأمل معي هذه التصويرات البارعة الممزوجة بالرقة والحزن، والذكريات التي تحمل معها نضارة دوحته وظلها السابغ. كل هذا يراه في زوجته الراحلة، واقرأ هذه الأبيات:

يا أخت ضاحكـــة الورد أهكذا

لربى الفرادس تنتمي الأزهارُ؟

إن كان من عمق يشم لدى الربي

فلديك منه الجوهر المعطارُ

تتمايلين مع النضارة دوحة

زهراء فضض تاجها النوارُ

مرأى، وظل سابغ وفواكه

أو كل هذا تحمل الأشجارُ؟

يا أخت نيرة السماء وضاءة

هل للكواكب بالتراب مدارُ؟

 

نلاحظ هنا أنَّ خواطر الشاعر بارزة جلية، ولكن في ثوب شعري شفيف، إلا أنها رسالة تصل إلى قارئها....(إن اللغة تتكون - كما يقولون- من جوهرين أي حقيقتين تتواجد كل منهما في ذاتها ومستقلة عن الأخرى، وهى الدال والمدلول كما يقول( دى سوسير) والتعبير والمحتوى، كما يقول(جيلمسليف)، فالدال هو الصوت المنطوق، والمدلول هو الفكرة أو الشيء(1) وقضية(الدال) و(المدلول) أو( التعبير) و(المحتوى) نراها واضحة، جلية، متلازمة في ديوان الشعر الذي لفحه الوجد بناره، وأضناه الفراق وسقاه البين لوعة وحنينا. وانظر إلى قافية الدال المكسورة الساكن ما قبلها، والتي تبرهن على حزن الشاعر.

 

رفيقة دربي كيف أقطعه وحدي

ومالي من حول وما من جهدِ

أراه طويلا لا تني عثراته

تعرقل من خطوي وتثلم من حدي

تحملت أعباء الأبوة صامتا

وإن تك فوق الظهر تجثم كالطودِ

أئحمل أعباء الأمومة فوقها؟

فأسقط منهاراً، وما أنا بالجلدِ

              ***

فأين بهاء الأمسيات رقيقة

تأرجح بالنعمى وتندر بالودِ؟

تلألأ في عيني بهيجا رواؤها

كما لألأ الطلُّ النثير على الوردِ

 

             ***

إنَّ البحث في المضمون الشعري يعتبر من المباحث الجديدة، إذ إن النقد التقليدي والتاريخ الأدبي المتوارث: كانا يبحثان في أغراض الشعر وأهدافه أكثر مما يبحثان في مضمونه. فالعرب القدماء كانوا يقسمون الشعر بحسب أغراضه، فيجعلونه مدحا وهجاء وغزلاً ورثاء. دون عناية كبيرة بالمضمون الذي يصبه الشاعر في كل هذه الأغراض، حتى رأيناهم يقولون الرثاء ثناء على الميت، دون مناقشة لطبيعة المضمون الذي يجب أن يصبه الشاعر في قصيدة الرثاء.

 

وهل يحسن أن يكون هذا المضمون تفجعاً على الميت، وحزناً على وفاته، أو مدحاً له وتسجيلاً لفضائله، تأملاً لحال الموت والحياة والقضاء والقدر، أو مزجاً بين كل هذه العناصر(2) وقد رأينا كل هذه العناصر متفاعلة مع بعضها في الديوان، وأحيانا في

القصيدة الواحدة، وانظر إلى هذه الزفرة المحمومة، وانظر إلى تلك الدمعة التي تسقط من عين الشاعر عبر قصيدته (ديار الصامتين):

شهدت ديار الصامتين ولم أزل

أروح كعهدى بينها و أجوبُ

ولى عندها غصن تقصف ذوايا

وكان مراد العين وهو قشيبُ

تقبله الشمس الخلوب بنورها

على أنه بين الغصون خلوبُ

فيروق فيناناً ويهتزُّ ناضراً

فتهفو إليه أعينٌ و قلوبُ

تخطر في ظل الشباب منعما

فرفَّ له زهر، ورفرف طيبُ

هوى ترتع الأشواق بين ظلاله

ومسرحها طيُّ الشغاف رحيبُ

هوى عاد في كف المنية حسرة

تعالى لها بين الضلوع نحيبُ

 

عناصر متناغمة. متفاعلة: شجن. ولوعة. وتحسر. وتغزل في المحبوبة التي بعدت بعداً لا أوبة منه، ورغم هذا الجو الحزين: إلا أن الشاعر لا يفقد عبارته الغزِلة التي تتراءى لقارئها فينسى أنَّه في عالم الرثاء.

 

وبأسلوب جزل رصين، يحمل لنا أنفاس أبى فراس والبارودي تسمع أشجان الشاعر في قصيدة(أجرم هذا):

أتكتم ما تلقاه أم أنت بائح

رويدك قد نمت عليك الملامحُ

تظاهرت بالسلوان ترضى صحابة

شديد عليهم أن دمعك سافحُ

ولكنني أدرى فلست بعابئ

وقد نبحتنى في أساي النوابحُ

 

أما في قصيدة (في مأتم الشوق) التي جاءت على البحر الطويل، وقافيتها الدال المضمومة التي تسبقها ياء مكسورة لتلائم أشجان وأحزان و لوعة الشاعر فيقول:

يصارع قلبي الشوق وهو وحيدُ

لعمر الهوى هذا عليه شديدُ

لعمر الهوى والقبر مجتمع الهوى

طواه عن الأنظار فهو فقيدُ

تشبث معناه العميق بخاطري

وغلغل في نفسي فليس يبيدُ

يعيد لي الماضي فأشهد منزلي

وفردوسه ضافي الهناء رغيدُ

وأبصر ريحاً زعزعاً عصفت به

وبى فكلانا في العراء حصيدُ.

 

ويستطرد الشاعر في وصف مأساته في القصيدة نفسها:

أتلهو وما للغاربات بلحدها

شروق فترجو الأنس حين تعودُ

وقد تصل الومض الخطوف بمقلة

طوي سحرها تحت التراب هجودُ

وغاض بها الورد فى الخد زاهيا

وكان وما تحكى شذاه ورودُ

ألا ليت إيمانا يثبت مهجتي

فإن ثبات المؤمنين وطيدُ.

 

وقبل أن أغادر الديوان يعز عليّ ألا يقرأ القارئ الكريم هذه الأبيات التي جاءت في قصيدته (بأي اتجاه)، ويتأمل تصويراتها البارعة وسبكها المتين حيث يقول الشاعر:

بأي اتجاه استحث القوافيا؟

أصوغ نسيبي أم أعيد بكائيا؟

يمَّثل لي شوقي خيالك رائعاً

فألتمس التشبيب ألهى فؤاديا

أصَّور معنى الحسن فيك وإنَّه

ليخلق أطياراً بسمعي شواديا

ويفجؤني الصحو الرهيب بواقعي

فأرتد مقهوراً أصوغ رثائيا

نسيب تلظَّت بالرثاء حروفه

فإن رحت تتلوه تأوهت صاليا

ترى الحسن خلابا فتبدع وصفه

وتذكر مهواه فتلتاع آسيــــــــا

كما قد وصفت البدر ليلة تمه

تعاوره نحس فدوَّم هاويا

إذا ما مدحت الحسن فبه مفضضاً

وضيئاً شجاك النور يرتدَّ خابيا

فقيدتك الحسناء تحكيه مرتقى

ومهواً فإن تنسب تحرقت داميا

 

وما ذكرناه هو غيض من فيض، ووشل من بحر فياض بالحزن في ديوان الشاعر الذي يدل علي مكانة المرأة المخلصة في المجتمع، كما يدل علي وفاء الشاعر الدكتور/محمد رجب البيومي الذي جاري فيه كبار الشعراء الذين رثوا زوجاتهم، مثل: جرير، وأبى تمام، والشريف الرضي، ومحمد بن عبد الملك، والطغرائي، وابن نباته، والبارودي، إلا أنه يعد ثالث ديوان كامل في رثاء الزوجات بعد عزيز أباظة، وعبد الرحمن صدقي... رحم الله د: محمد رجب البيومي الذي فارقنا في فبراير 2011م.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات (الهوامش):

(1) بناء لغة الشعر: لجون كوين ترجمة د/أحمد درويش ص( 25).

(2) فن الشعر: د/محمد مندور ص(91).

 

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...