من سيرة الصحابي عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ لها أون لاين - موقع المرأة العربية

من سيرة الصحابي عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ

وجوه وأعلام
16 - شعبان - 1439 هـ| 02 - مايو - 2018


1

هذا الصحابِيُّ الجليل العالم الزاهد، هو أبو عبدِالرحمن عبدُالله بنُ عُمَرَ بنِ الخطَّاب القرشيُّ العدَويُّ - رضي الله عنهما - وهو يلتقي مع الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في جَدِّه كعبِ بنِ لُؤَي، وقد وُلِد مع بعثة النبِيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهاجر إلى المدينة المنوَّرة، وهو بين الثانيةَ عشرةَ والثالثةَ عشرة من عمرِه، وقد أسلم عن طريق أخته حفصةَ بنت عمر قبل إسلامِ أبيه، وهو في السَّابعة من عمره.

 

ولقد تَميَّز عبدالله بن عمر بذكائه ونَجابته، ولْنَستمِع إليه وهو يروي قصَّةَ إسلام أبيه عمرَ بنِ الخطَّاب، فيقول: "لَمَّا أسلم عمرُ خاف على نفسه، فدخل البيت ورَقِيَ إلى السَّطح، وقد سمع الناسُ بإسلامه، فقالوا: صبَأ، وأرادوا قتْلَه، لا سيَّما وأن بني عَدِيٍّ بطنٌ قليل من قريش، فدخل علينا رجلٌ عليه حُلَّة وهَيبة، فسألني: أين أبوك؟! فردَّ أبي بعد أن سمع صوته، فقال له الرجل: ما لي أراك مُمتقِعَ اللَّون؟! فقال أبي: قومك يريدون قَتْلي، فقال الرجل: لا سبيلَ لَهم بك؛ أنت في جواري.

 

فخرَجْنا، فإذا الناس يسيل بِهم الوادي... فقالوا: نريد قتْلَ عمر؛ لأنه صبَأ، فردَّهم هذا الرَّجُل، فقال أبي: لقد أمِنْتُ بعد أن سمعتُ من هذا الرجل ما سَمِعت، فقلتُ لأبي: مَن هذا الرَّجُل؟ فقال أبي: هذا العاصُ بن وائل السهميُّ.

 

وفي يوم الحديبية انتدب الرَّسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عمرَ بن الخطاب ليكون سفيرًا له في قريش، فماذا كان جوابُ عمر؟ قال: يا رسول الله، أُشير عليك بعثمانَ بنِ عفَّان؛ فإنَّه أعَزُّ على قريشٍ منِّي، فقَبِل النبِيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - مشورةَ عمر، وكلَّف عثمانَ بن عفان - رضي الله عنه - ومع ذلك تَظلُّ لِعُمر هيبَتُه حقًّا، وما سلك فَجًّا إلاَّ سلك الشيطانُ فجًّا آخَر.

 

تميّز الصحابيِّ عبدالله بن عمر: بعلمه واقتدائه بالرَّسول، وجهادِه وكرَمِه، وروايته لأحاديثِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذْ رَوى أكثرَ من "2630" حديثًا؛ روى البخاريُّ ومسلِمٌ أكثرَ من مئة حديثٍ في "صحيحَيْهما".

 

أمَّا مُتابعته للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فعَبَّرَ ذلك عن حبِّه العظيم له، واقتدائه بِسُنَّته وآثاره، فكان إذْ عرف مبيتَه يُحاول المبيتَ بالمكان الذي بات فيه، ويستظِلُّ بالشجرة التي استظلَّ بِها، ويسير على الطريق الذي سار عليه، بل ويُحاول أن يجعل خُطَى ناقتِه تقع على خُطى ناقةِ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم ـ.

 

وعُرِف - رضي الله عنه - بِجهاده وهو في الرَّابعةَ عشرة من عمره، وقد ردَّه النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في معركتَيْ بدر وأحُد، وأجازه في معركة الخندق، وشارك في بقيَّة الغزوات والمعاركِ التي تلَتْها.

 

وفي مَجال الكرم، فحَدِّث عن جُودِه وكرَمِه وصدَقاتِه، ولا حرَج! فنَجِدُه يتصدَّق بثلاثين ألف درهم، ويفرِّقها في مجلسه، كما فرَّق عشرة آلافٍ في مَجلس آخر، وكَما أعتق أكثر من ألفٍ من الرقيق.

 

ومرَّ بِراعٍ في الصحراء، فقال: بِعْنا شاة، فقال الرَّاعي: الغنَمُ ليست لي، فقال عبدُالله بن عمر: قُل: أكَلَها الذِّئب، فقال الراعي: وأين الله؟ فكرر ابنُ عمر: وأين الله؟ وأين الله؟! ثم اشترى الرَّاعِيَ المملوكَ، وأعتقه، بل اشترى الأغنامَ مِن صاحبها، وأعطاها للرَّاعي.

 

ومن المواقِفَ المعبرّة عن رجاحة عقل ابن عمر - رضي الله عنهما ـ أنه لمَّا وقع الخلافُ بين عليِّ بن أبي طالبٍ ومُعاويةَ بنِ أبي سفيان - رضي الله عنهما - على الخلافة، واتَّفَقا على أمر التحكيم لحلِّ الخلاف، اجتمع الناس، ولَم يَخرُج عبدالله بن عمر، ودخل عند أختِه حفصةَ أمِّ المؤمنين، فقال: "غيابي وحضوري لا تأثيرَ له"، فقالت: "لا، إنَّ حضورك مشهودٌ"، فخرج امتِثالاً لأمرِها.

 

وحين حصل ما حصل بين عمرِو بن العاص، وأبي موسى الأشعريِّ في التحكيم، واختلف الناسُ على ما حصل في التحكيم، وافترقوا بعدما سَمِعوا ما سمعوا، قال معاويةُ بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ: "لو كان بيني وبين الناس شَعرة، لأبقيتُها؛ إن شَدُّوها أرخيتُها، وإن أرخَوْها شدَدْتُها"، وقال: "نحن أحَقُّ الناس بهذا الأمر"؛ يعني الخلافة، "ومَن يرى أنه أحقُّ بِهذا الأمر منا، فلْيُظهِر لنا قرنَه... فأنا أحَقُّ منه ومن أبيه"، قال عبدالله بن عمر: "فحللت حبوتي، وهممتُ أن أقول: أحقُّ به مِنك مَن ضرَبَك، وضرب أباك على الإسلامِ يوم الحديبية. فذكَرْتُ فرقةَ الجماعة، وذكرتُ ما أعدَّ الله في الآخرة لِمَن أَخْمد الفتنة، فتراجَعْت"؛ مِمَّا يدلُّ على حرصِه العظيم على وَحْدة المسلمين.

 

ومن رجاحة عقله كذلك: رفْضُه للخلافة حين جاءه مروانُ بن الحكم، وقال له: "يا ابن عمر، يُبايعك أهلُ الشَّام"، فقال: "وأهل العراق؟!"، قال مروان بن الحكم: "نضرِبُهم ببعض"، فرفض ذلك أشدَّ الرفض؛ لئلاَّ يَصنع فتنةً، مع عِلمه بأحقِيَّتِه بالخلافة.

 

ومن مَواقفه كذلك في رجاحة العقل: نُصْحُه لعبدالله بن الزُّبير بالتَّنازُل عن الخلافة؛ لِحَقن الدِّماء، فقد كان ابنُ الزبير مبايِعًا ليزيد بن معاوية، وبعد وفاة يزيدَ، دعا بالبيعة لِنَفسه، فبايعَه أهلُ العراق ومصر، وأهلُ الحجاز، وقد تصدَّى له الحجَّاجُ بن يوسف الثقَفِيُّ، وقذَفَ الكعبةَ بالمنجنيق، فنصح ابنُ عمر عبدَالله بن الزبير بالتَّنازُل، ولكنه أصرَّ حتَّى قُتِل، وصلَبه الحجَّاجُ على خشَبة.

 

وحين مرَّ عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - فرآه مصلوبًا، قال: "إنَّك واللهِ - ما عَلِمتُ - صوَّامٌ، قوَّام، ولقد والله كنتُ أنْهَاك عن هذا".

 

إنَّ من يتتبَّع سيرةَ ابنِ عمر يجده تقِيًّا نقيًّا، راجِحَ العقل، زاهِدًا في الدُّنيا، عالِمًا كريمًا، وكانت وفاته في سنة 73 هـ، وهي السَّنَة التي توُفِّي فيها عبدالله بن الزبير؛ أيْ: قبْلَه بأشهر، وكذلك أمُّه أسماء بنت أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنها ـ، ويظَلُّ ما قدَّمناه من سيرته جزءًا يسيرًا من حياته الحافلةِ بالعِلم والتُّقى، والإيمان والصِّدق والزُّهد، سائلين الله أن يُسكِنَه فسيحَ جنَّاتِه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

ـ صور من حياة الصحابة.

ـ طبقات ابن سعد.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...